ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

قد دخلها التبديل والتحريف والزّيادة والنقص. وأما تعريب ذلك المشاهد بالعربية ففيه خطأ كبير وزيادات كثيرة ونقصان ووهم فاحش. وهو من باب تفسير المعرّب المعبّر، وفهم كثير منهم فاسد وأما إن عنى كتب الله التي هي كتبه من عنده، فتلك كما قال محفوظة لم يدخلها شيء- انتهى- وقد قدمنا الكلام على ذلك في مقدمة التفسير عند الكلام على الإسرائيليات، وفي سورة البقرة أيضا عند قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ [البقرة: ٧٥].
ولما بين تعالى كذبهم عليه- جل ذكره- بين افتراءهم على رسله إذ زعموا أن عيسى عليه السلام أمرهم أن يتخذوه ربا، فردّ سبحانه عليهم بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ٧٩]
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)
ما كانَ لِبَشَرٍ أي ما صح ولا استقام. وفي التعبير ب (بشر) إشعار بعلة الحكم، فإن البشرية منافية لما افتروه عليهم أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ أي الفهم والعلم أو الحكمة وَالنُّبُوَّةَ وهي الخبر منه تعالى ليدعو الناس إلى الله بترك الأنداد ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ أي الذين بعثه الله إليهم ليدعوهم إلى عبادته وحده كُونُوا عِباداً لِي أي اتخذوني ربّا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ يقول لهم كُونُوا رَبَّانِيِّينَ أي منسوبين إلى الرب لاستيلاء الربوبية عليهم وطمس البشرية بسبب كونهم عالمين عاملين معلمين تالين لكتب الله. أي كونوا عابدين مرتاضين بالعلم والعمل والمواظبة على الطاعات، حتى تصيروا ربانيين بغلبة النور على الظلمة- أفاده القاشانيّ- بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ أي بسبب مثابرتكم على تعليم الناس الكتاب ودراسته، أي قراءته. فإن ذلك يجركم إلى الله تعالى بالإخلاص في عبادته.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة آل عمران (٣) : آية ٨٠]
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)
وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ أي بالعود إليه

صفحة رقم 340

وقد بعث لمحو الشرك بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أي بعد استقراركم على الإسلام.
تنبيهات:
الأول- إذا كان ما ذكر في الآية لا يصلح لنبيّ ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم، بطريق الأولى والأخرى. ولهذا قال الحسن البصريّ: لا ينبغي هذا لمؤمن، أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا- يعني أهل الكتاب- كانوا يعبدون أحبارهم ورهبانهم، كما قال الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ... [التوبة: ٣١] الآية- وفي جامع الترمذيّ «١» - كما سيأتي- أن عديّ بن حاتم قال: يا رسول الله ما عبدوهم. قال:
بلى، إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال، فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم.
فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ.
بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنهم إنما يأمرون بما يأمر الله به وبلغتهم إياه الرسل الكرام، وإنما ينهونهم عما نهاهم الله عنه وبلغته إياه رسله الكرام- قاله ابن كثير- الثاني- في هذه الآية أعظم باعث لمن علم على أن يعمل، وأن من أعظم العمل بالعلم تعليمه والإخلاص لله سبحانه. والدراسة مذاكرة العلم والفقه. فدلت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانيّا، فمن اشتغل بها، لا لهذا المقصود، فقد ضاع سعيه وخاب عمله، وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها، ولا منفعة بثمرها، ولهذا
قال ﷺ «٢» :«نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع»
- كذا في فتح البيان والرازيّ.
الثالث- قرئ في السبع وَلا يَأْمُرَكُمْ بالرفع على الاستئناف أي ولا يأمركم الله أو النبيّ، وبالنصب عطفا على ثم يقول. و (لا) مزيدة لتأكيد معنى النفي.

(١) أخرجه الترمذيّ في: التفسير، ٩- سورة التوبة، ١٠- حدثنا الحسين بن مرثد.
(٢)
أخرجه مسلم في: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، حديث ٧٣. ونصه: عن زيد بن أرقم قال: لا أقول لكم إلا كما كان رسول الله ﷺ يقول. كان يقول «اللهم! إني أعوذ بك من العجز والكسل، والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر. اللهم! آت نفسي تقواها. وزكها أنت خير من زكاها. أنت وليها ومولاها. اللهم! إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها».
[.....]

صفحة رقم 341

محاسن التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي

تحقيق

محمد باسل عيون السود

الناشر دار الكتب العلميه - بيروت
سنة النشر 1418
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية