ثم يقول الحق سبحانه :
ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون١٢
معنى يبلس المجرمون١٢ ( الروم ) أي : يسكتون سكوت اليائس الذي لا يجد حجة، فينقطع لا يدري ما يقول ولا يجد من يدافع عنه، حتى قادتهم وكبراؤهم قد سبقوهم إلى العذاب، فلم يعد لهم أمل في النجاة، كما قال تعالى : قدم قومه يوم القيامة... ٩٨ ( هود )، ومن ذلك سمي ( إبليس ) ؛ لأنه يئس من رحمة الله.
وفي موضع آخر يقول الحق سبحانه : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون٤٤ ( الأنعام )
أي : لما نسوا منهج الله أراد سبحانه أن يعاقبهم في الدنيا، وحين يعاقبهم الله في الدنيا لا يأخذهم على حالهم إنما يرخى لهم العنان، ويزيد لهم في الخيرات، ويوسع عليهم متع الدنيا وزخارفها، حتى إذا أخذهم على هذه الحال كان أخذه أليما، وكانت سقطتهم من أعلى.
كما أنك مثلا لا توقع عدوك من على الحصيرة، إنما نرفعه إلى أعلى ليكون الانتقام أبلغ، أما إن أخذهم على حال الضيق والفقر، فالمسألة إذن هينة، وما أقرب الفقر من العذاب !
ولنا ملحظ في قوله تعالى فتحنا عليهم... ٤٤ ( الأنعام ) فمادة فتح إن أراد الحق سبحانه الفتح لصالح المفتوح عليه يقول إنا فتحنا لك فتحا مبينا١ ( الفتح ) وإن أراد الفتح لغير صالحه يقول فتحنا عليهم... ٤٤ ( الأنعام ) والفرق بيّن بين المعنيين، لأن اللام هنا للملك فتحنا لك... ١ ( الفتح ) إنما على فتحنا عليهم.... ٤٤ ( الأنعام ) فتعني ضدهم وفي غير صالحهم، كما نقول في المحاسبة : له وعليه، له في المكسب وعليه في الخسارة.
تفسير الشعراوي
الشعراوي