ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

ثم عرض كتاب الله آية أخرى من آياته الكونية الباهرة، وهذه الآية تبدو لكل ذي عينين في خلق السماوات والأرض، واختلاف ألسنة البشر، واختلاف ألوانهم، فالشخص العادي متى سرح طرفه وأجال فكره في ملكوت السماوات والأرض لا بد أن يؤمن بأن وراء هذا الكون خالقا مبدعا حكيما : وسع كل شيء علما ، ومتى نظر إلى تكوين الإنسان عضويا ونفسيا وعقليا وجد أنه في خصائصه العامة واحد لا تعدد فيه ولا اختلاف، ولكنه مع ذلك مختلف اللغات واللهجات، مختلف الألوان والصفات، بل إنه حتى عند استعمال اللغة الواحدة يختلف في أشكال النطق والأصوات، فمن الذي جعل من النوع الإنساني نوعا واحدا، ومن الذي جعل من هذه الوحدة أصنافا لا حد لها ولا حصر، سوى الحق سبحانه وتعالى الذي له الخلق والأمر. أما الشخص الذي بلغ من العلم درجة كافية، فإنه يجد المجال أمامه فسيحا لاستكشاف أسرار الكون ونواميس الخليقة، مما يؤهله أكثر فأكثر، لتذوق لطائف الحكمة وعلم الحقيقة، وذلك قوله تعالى : ومن - آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم، إن في ذلك لآيات للعالمين( ٢٢ ) .
وحسب قراءة العالمين بفتح اللام كما في قراءة ورش عندنا يكون المعنى أن التعرف على هذه الآيات الكونية والبشرية في متناول عموم الخلق، لا يختص به فريق دون فريق، لأنه على مرأى ومسمع منهم جميعا، وتروى فيه قراءة أخرى بكسر اللام، وطبقا لهذه القراءة الثانية يكون المعنى : إن الذين يدركون أسرار هذه الآيات ويستخلصون منها النتائج القريبة والبعيدة، الجامعة بين العلم والإيمان، هم الذين بلغوا درجة كافية من العلم، ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى في آية أخرى : وما يعقلها إلا العالمون .
وإذا كان اختلاف الألسنة واختلاف الألوان عند دعاة ( العنصرية والشعوبية ) مصدرا للتمييز بين السلالات البشرية، ومبررا لتصنيفها طبقات عليا وسفلى، فإن كتاب الله أزال عن هذه الظاهرة كل ما تشم منه رائحة التمييز العنصري بين البشر، واعتبر اختلاف الألسنة والألوان في النوع البشري، مع وحدته الأصلية، آية من آيات الله الكبرى، ودليلا من دلائل قدرته وبالغ حكمته.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير