وَمِنْ ءاياته خَلْقُ السموات والأرض فإن من خلق هذه الأجرام العظيمة، التي هي أجرام السماوات والأرض، وجعلها باقية ما دامت هذه الدار، وخلق فيها من عجائب الصنع وغرائب التكوين، ما هو عبرة للمعتبرين، قادر على أن يخلقكم بعد موتكم وينشركم من قبوركم واختلاف أَلْسِنَتِكُمْ أي لغاتكم من عرب وعجم، وترك، وروم، وغير ذلك من اللغات وألوانكم من البياض، والسواد، والحمرة، والصفرة، والزرقة، والخضرة مع كونكم أولاد رجل واحد وأم واحدة، ويجمعكم نوع واحد وهو الإنسانية، وفصل واحد وهو الناطقية، حتى صرتم متميزين في ذات بينكم لا يلتبس هذا بهذا، بل في كل فرد من أفرادكم ما يميزه عن غيره من الأفراد، وفي هذا من بديع القدرة ما لا يعقله إلاّ العالمون، ولا يفهمه إلاّ المتفكرون إِنَّ فِي ذلك لآيات للعالمين الذين هم من جنس هذا العالم من غير فرق بين برّ وفاجر، قرأ الجمهور بفتح لام العالمين، وقرأ حفص وحده بكسرها.
قال الفراء : وله وجه جيد لأنه قد قال : لآيات لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لآيات لأُوْلِي الألباب [ آل عمران : ١٩٠ ] وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العالمون [ العنكبوت : ٤٣ ].
وأخرج الفريابي وابن مردويه عن ابن عباس قال :" كل تسبيح في القرآن فهو صلاة " وأخرج عبد الرزاق والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني، والحاكم وصححه عن أبي رزين قال : جاء نافع بن الأزرق إلى ابن عباس، فقال : هل تجد الصلوات الخمس في القرآن ؟ قال : نعم، فقرأ فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ صلاة المغرب وَحِينَ تُصْبِحُونَ صلاة الصبح وَعَشِيّاً صلاة العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ صلاة الظهر، وقرأ : مِن بَعْدِ صلاة العشاء [ النور : ٥٨ ]. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر عنه قال : جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة، فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ قال : المغرب والعشاء وَحِينَ تُصْبِحُونَ الفجر وَعَشِيّاً العصر وَحِينَ تُظْهِرُونَ الظهر.
وأخرج أحمد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن السني في عمل يوم وليلة، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدعوات عن معاذ بن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفّى ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى : سبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السماوات والأرض وعشياً وحين تظهرون» وفي إسناده ابن لهيعة. وأخرج أبو داود والطبراني وابن السني وابن مردويه عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«من قال حين يصبح : سبحان الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الحمد فِي السموات والأرض وَعَشِيّاً وَحِينَ تُظْهِرُونَ * يُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحي وَيُحْييِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته» وإسناده ضعيف.
وأخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله : كُلٌّ لَّهُ قانتون يقول مطيعون : يعني الحياة والنشور والموت وهم له عاصون فيما سوى ذلك من العبادة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال : أيسر. وأخرج ابن الأنباري عنه أيضاً في قوله : وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قال : الإعادة أهون على المخلوق، لأنه يقول له يوم القيامة كن فيكون، وابتدأ الخلقة من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله : وَلَهُ المثل الأعلى يقول : ليس كمثله شيء.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني