أثارت فرحة الكفار حفيظة المؤمنين، إلى أن نزلت وهم من بعد غلبهم سيغلبون٣ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد... ٤ ( الروم ) ففرح المؤمنون حتى قال أبو بكر : والله لا يسر الله هؤلاء، وسينصر الروم على فارس بعد ثلاث سنين.
لأن كلمة بضع تعني من الثلاثة إلى العشرة، فأخذها الصديق على أدنى مدلولاتها، لماذا ؟ لأن الصديق، والحق- سبحانه وتعالى – لا يحمل المؤمنين مشقة الصبر مدة التسع سنين، وهذه من الصديقية التي تميز بها أبو بكر رضي الله عنه.
لذلك قال أبو بكر لأبي بن خلف : والله لا يقر الله عيونكم – يعني : بما فرحتم به من انتصار الكفار- وقد أخبرنا الله بذلك في مدة بضع سنين، فقال أبي : أتراهنني ؟ قال : أراهنك على كذا من القلائص- والقلوص هي الناقة التي تركب- في ثلاث سنين عشر قلائص إن انتصرت الروم، وأعطيك مثلنا إن انتصرت فارس.
فلما ذهب أبو بكر إلى رسول الله، وأخبره بما كان قال : " يا أبا بكر زده في الخطر وماده "، يعني زد في عدد النوق من عشرة إلى مائة وزده في مدة من ثلاث سنين إلى تسع، وفعلا ذهب الصديق لأبي وعرض عليه الأمر، فوافق في الرهان على مائة ناقة١.
فلما اشتد الأذى من المشركين، وخرج الصديق مهاجرا٢ رآه أبي بن خلف فقال : إلى أين يا أبا فيصل ؟ وكانوا يغمزون الصديق بهذه الكلمة، فبدل أن يقولوا : يا أبا بكر. والبكر هو الجمل القوي يقولون : يا أبا فيصل والفيصل هو الجمل الصغير- فقال الصديق : مهاجر، فقال : وأين الرهان الذي بيننا ؟ فقال : إن كان يكفلني فيه ولدي عبد الرحمن، فلما جاءت موقعة بدر رأى عبد الرحمن أبيا فقال له : إلى أين ؟ فقال : إلى بدر، فقال : وأين الرهان إن قتلت ؟ فقال : يعطيك ولدي.
وفي بدر٣ أصيب أبيّ بجرح من رسول الله مات فيه، وقدم ولده الجعل لعبد الرحمن، فذهبوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : " تصدقوا به " ٤.
وهنا وقفة إعجازية إيمانية عقدية : سبق أن تكلمنا عن الغيب وعن المشهد. وقلنا : إن الغيب أنواع : غيب له مقدمات توصل إليه، كما تعطي التلميذ تمرينا هندسيا، وكالأسرار الكونية التي يتوصل إليها العلماء ويكتشفونها من معطيات الكون، كالذي اكتشف الآلة البخارية، وأرشميدس لما اكتشف قانون الأجسام الطافية... إلخ ولا يقال لهؤلاء : إنهم علموا غيبا، إنما أخذوا مقدمات موجودة واستنبطوا منها معدوما.
أما الغيب المطلق فهو الذي ليس له مقدمات توصل إليه، فهو غيب عن كل الناس، وفيه يقول تعالى : عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا٢٦ إلا من ارتضى من رسول... ٢٧ ( الجن )
ومن الغيب ما يغيب عنك، لكن لا يغيب عن غيرك، كالشيء الذي يسرق منك، فهو غيب عنك لأنك لا تعرف مكانه، وليس غيبا عمن سرقه منك.
وآفة الإنسان أنه لا يستغل المقدمات للبحث في أسرار الكون ليرتقى في الكونيات، إنما يستغلها لمعرفة غيب الآخرين، ونقول له : إن كنت تريد أن تعلم غيب الآخرين، فاسمح لهم أن يعلموا غيبك، وأعتقد أن أحدا لا يرضى ذلك.
إذن : ستر الغيب عن الخلق نعمة كبرى لله تعالى ؛ لأنه سبحانه رب الناس جميعا، ويريد سبحانه أن ينتفع خلقه بخلقه، ألا ترى أنك إن علمت في إنسان سيئة واحدة تزهدك في كل حسناته، وتجعلك تكرهه، وتكره كل حسنة من حسناته، فستر الله عنك غيب الآخرين لتنتفع بحسناتهم.
والغيب حجزه الله عنا، إما بحجاب الزمن الماضي، أو الزمن المستقبل، أو بحجاب المكان، فأنت لا تعرف أحداث الماضي قبل أن تولد إلى أن يأتي من تثق به، فيخبرك بما حدث في الماضي، وكذلك لا تعرف ما سيحدث في المستقبل، أما حاجز المكان فأنت لا تعرف ما يوجد في مكان آخر غير مكانك، وقد يكون الشيء في مكانك، لكن له مكين فلا تطلع عليه.
ومن ذلك قوله تعالى : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول... ٨ ( المجادلة )
فمن الذي أخبر رسول الله بما في نفوسهم ؟ لقد خرق الله له حجاب المكان، وأخبره بما يدور في نفوس القوم، وأخبرهم رسول الله به، أما كان هذا كافيا لأن يؤمنوا بالله الذي أخرج مكنون صدورهم ؟ إذن : المسألة عندهم ولحاجة وإنكار.
وكذلك ما كان من رسول الله في غزوة مؤتة٥ التي دارت على أرض الأردن ورسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة- ونعلم أن أهل السيرة لا يطلقون اسم الغزوة إلا على التي حضرها رسول الله، وكل حدث حربي لم يحضره رسول الله نسميه سرية إلا مؤتة هي التي انفردت بهذه التسمية، فلماذا مع أن رسول الله لم يشهدها ؟
قالوا : بل شهدها رسول الله وهو بالمدينة، بما كشف الله له من حجاب المكان وأطلعه على ما يدور هناك حتى كان يخبر صحابته بما يدور في الحرب كأنه يراها، فيقول : أخذ الراية فلان فقتل، فأخذها فلان فقتل، فلما جاءهم الخبر وجدوا الأمر كما أخبر به سيدنا رسول الله ٦.
كما خرق له حجاب الماضي، فأخبره بحوادث في الأمم السابقة كما في قوله سبحانه : وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر... ٤٤ ( القصص )، وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا... ٤٥ ( القصص )
كما خرق له صلى الله عليه وسلم حجاب المستقبل، كما في هذه الآية التي نحن بصدد الحديث عنها : وهم من بعد غلبهم سيغلبون٣ في بضع سنين... ٤ ( الروم ) فأروني أي قوة( كمبيوتر ) في الدنيا تنبئنا بنتيجة معركة ستحدث بعد ثلاث إلى تسع سنين.
فمحمد صلى الله عليه وسلم، وهو النبي الأمي المقيم في جزيرة العرب ولا يعرف شيئا عن قوة الروم أو قوة الفرس – يخبرنا بهذه النتيجة ؛ لأن الذي يعلم الأشياء على وفق ما تكون هو الذي أخبره، وكون محمد صلى الله عليه وسلم يعلنها ويتحدى بها في قرآن يتلى إلى يوم القيامة دليل على تصديقه بمنطق الله له، وأنه واثق من حدوث ما أخبر به.
ولهذه الثقة سمي الصديق صديقا، فحين أخبروه بمقالة رسول الله عن الإسراء ما كان منه إلا أن قال : إن كان قال فقد صدق٧.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر بهذه النتيجة، ويراهن المشركين عليها، ويتمسك بها، وما ذاك إلا لثقته في صدق هذا البلاغ، وأنه لا يمكن أبدا أن يتخلف.
وقوله تعالى لله الأمر من قبل ومن بعد... ٤ ( الروم ) يعني : إياكم أن تفهموا أن انتصار الفرس على الروم أو انتصار الروم على الفرس خارج عن مرادات الله، فلله الأمر من قبل الغلب، ولله الأمر من بعد الغلب.
فحين غلبت الروم لله الأمر، وحين انتصرت الفرس لله الأمر ؛ لأن الحق سبحانه يهيج أصحاب الخير بأن يغلب أصحاب الشر، ويحرك حميتهم ويوقظ بأعدائهم مشاعرهم، وينبههم إلى أن الأعداء لا ينبغي أن يكونوا أحسن منهم.
إذن : فنصر المكروه لله على المحبوب لله جاء بتوقيت من الله ؛ لذلك إياك أن تحزن حين تجد لك عدوا، فالأحمق هو الذي يحزن لذلك، والعاقل هو الذي يرى لعدوه فضلا عليه، فالعدو يذكرني دائما بأن أكون قويا مستعدا، يذكرني بأن أكون مستقيما حتى لا يجد عدوي مني فرصة أو نقيصة. العدو يجعلك تجند كل ملكاتك للخير لتكون أفضل منه ؛ لذلك يقول الشاعر :
عداي لهم فضل علي ومنة***فعندي لهم شكر على نفعهم ليا
فهم كدواء والشفاء بمره***فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا
وهم بحثوا عن زلتي فاجتنبتها***وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا
إذن : لله الأمر من قبل ومن بعد، وله الحكمة في أن ينتصر الباطل، ألا ترى غزوة أحد، وكيف هزم المسلمون لما خالفوا أمر رسول الله وتركوا مواقعهم طمعا في مغنم، انهزموا في أول الأمر، مع أن رسول الله معهم ؛ لأن سنة الله في كونه تقضي بالهزيمة حين نخالف أمر رسول الله، وكيف يكون الحال لو انتصر المسلمون مع مخالفتهم لأمر رسولهم ؟ لو انتصروا لفقد أمر الرسول مصداقيته، ولما أطاعوا له أمرا بعد ذلك.
وفي يوم حنين : ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم.... ٢٥ ( التوبة ) حتى إن أبا بكر نفسه ليقول : لن نغلب اليوم عن قلة٨، فلما نظروا إلى قوتهم ونسوا تأييد الله هزموا في بداية الأمر، ثم يحن الله عليهم، وتتداركهم رحمته تعالى، فينصرهم في النهاية.
إذن : فلله الأمر من قبل ومن بعد، فإياك أن تظن أن انتصار الباطل جاء غصبا عن إرادة الله، أو خارجا عن مراده، إنما أراده الله وقصده لحكمة.
٢ كان أبو بكر الصديق كثيرا ما يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبا، فيطمع أبو بكر أن يكونه. قاله ابن هشام في السيرة النبوية (٢/٤٨٠) كان هذا في الهجرة إلى المدينة، ولكن ثبت في السيرة النبوية (١/٣٧٢) أن أبا بكر الصديق لما ضاقت عليه مكة وأصابه فيها الأذى، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرا، حتى إذا سار من مكة يوما أو يومين لقيه ابن الدغنة، وهو يومئذ سيد الأحابيش فقال ابن الدغنة: أين يا أبا بكر ؟ قال: أخرجني قومي وآذوني وضيقوا علي. ثم أدخله في جواره ورجع أبو بكر إلى مكة..
٣ أبيّ بن خلف قتل في غزوة أحد، وليس في غزوة بدر، وقت بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم (ذكره البيهقي في دلائل النبوة (٣/٢١٢))، أما الذي قتل في غزوة بدر فهو أمية بن خلف قتله بلال (السيرة النبوية لابن هشام٢/٦٣٢)..
٤ التصدق بالرهان بعدما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أورده السيوطي في الدر المنثور(٦/٤٨٠) وعزاه لأبى يعلى وابن أبي حاتم وابن مردويه عن البراء بن عازب أن أبا بكر هو الذي حمله إلى رسول الله فقال: "هذا السحت تصدق به" ولم يرد فيه ذكر لعبد الرحمن بن أبي بكر. فالله تعالى أعلم..
٥ كانت في جمادى الأولى سنة ثمان، وكان سببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الحرث بن عمير الأزدي أحد بني لهب بكتابه إلى الشام إلى ملك الروم أو بصري فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه رباطا ثم قدمه فضرب عنقه ولم يقتل لرسول الله صلى الله عليه وسلم رسول غيره فاشتد ذلك عليه حين بلغه الخبر فبعث البعث واستعمل عليه زيد بن حارثة "زاد المعاد لابن القيم(٢/١٥٥)..
٦ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم". أخرجه البخاري في صحيحه(٤٢٦٢)..
٧ أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/٣٦١)، وكذا الحاكم في مستدركه (٣/٦٢-٦٣) من حديث عائشة رضي الله عنها، وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه "..
٨ أخرجه البيهقي في الدلائل(٥/١٢٣) عن الربيع بن أنس أن رجلا قال يوم حنين: لن نغلب من قلة، وكانوا اثنى عشر ألفا فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل اللهويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم.... ٢٥(التوبة) وأورده السيوطي في أسباب النزول(ص١٣٨)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي