ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼ

فقال بعد ذلك :
من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون٤٤
ما دامت القيامة أمرا لا مرد له من الله، فلننتبه للعواقب، ولنحسب لها حسابا، فمن كفر فعليه كفره، عليه لا له، وهذه قضية تقتضي أن نقول في مقابلها : ومن آمن فله إيمانه.
بعد أن بين الدلائل الواضحة على واحديته في الكون، وأحديته في ذاته سبحانه، وبين الأدلة الكونية بكل صورها برهانا وحجة، وضرب أمثالا وتفصيلا بعد ذلك قال : سأقول لكم أنكم أصبحتم مختارين أي : خلقت فيكم الاختيار في التكليف حتى لا أقهر أحدا على الإيمان بي.
وخلق الاختيار في التكليف بعد القهر في غير التكليف يدل على أن الله تعالى لا يريد من عباده قوالب تأتمر بأمر القهر، ولكنه يريد أن يجذب الناس بمحبوبيتهم للواحد الأحد.
وإلا فكان من الممكن أن يخلقهم جميعا مهتدين، وأن يخلقهم على هيئة لا تتمكن من الكفر، وتسير إلى الطاعة مرغمة، كما قال سبحانه حكاية عن السماء والأرض : أتينا طائعين١١ ( فصلت ) وذلك يفسر لنا أمانة خلق الاختيار في الناس.
والحق- سبحانه وتعالى- حينما تكلم عن هذه المسألة بوضوح قال : إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.... ٧٢ ( الأحزاب ) والإباء هنا ليس إباء تكبر على مراد الله، إنما وضعوا أنفسهم في الموضع الطبيعي، فقالوا : لا لحمل الأمانة ؛ لأننا لا نأمل أنفسنا ولا نضمنها عند الأداء.
والإنسان كذلك ابن أغيار، فقد يحمل الأمانة، ويضمن أداءها في وقت التحمل، لكنه لا يضمن نفسه عند الأداء، وسبق أن مثلنا لذلك بمن يقبل الأمانة، ويرحب بها عند التحمل، ثم تطرأ عليه من أحداث الحياة ما يضطره لأن يمد إلى هذه الأمانة وإن كان في نيته الأداء، لكن يأتي وقته فلا يستطيع، وآخر يقدر هذه المسئولية ويرفض تحمل الأمانة، وهذا هو العاقل الذي يقدر الظروف وتغير الأحوال.
ومعلوم أن الأمانة لا توثق، فإن كتبت وشهد عليها فإنها لم تعد أمانة، فالأمانة إذن مردها لاختيار المؤتمن إن شاء أقر بها، وإن شاء أنكرها.
فالحق سبحانه قال حكاية عن السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.... ٧٢ ( الأحزاب ) لأنهم يقدرون مسئوليتها، أما الإنسان فقد تعرض لحملها وقال : عندي عقل أفكر به، وأختار بين البدائل، وسوف أؤدي، فضمن وقت التحمل، لكنه لا يضمن وقت الأداء، فظلم نفسه وجهل حقائق الأمور.
وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ٧٢ ( الأحزاب ) ظلموا لنفسه، جهولا بما يمكن أن يطرأ عليه من الأغيار.
وما دام الإنسان ابن أغيار، فإنه لا يثبت على حال ؛ لذلك قلنا : إذا صعد الإنسان الجبل إلى قمته وهو ابن أغيار فليس أمامه إلا أن ينزل، والعقلاء يخافون أن تتم لهم النعمة ؛ لأنه ليس بعد التمام إلا النقصان، كما قال الشاعر :
إذا تم شيء بدا نقصه ترقب زوالا إذا قيل تم
فإذا قلت : لماذا خلق الله الاختيار في الإنسان ولم يخلقه في الأجناس التي تخدمه من جماد ونبات وحيوان ؟ نقول : كن دقيقا، وأفهم أنها أيضا خيرت بقوله تعالى إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها.... ٧٢ ( الأحزاب )
إذن : هذه الأجناس أيضا خيرت، لكنها اختارت اختيارا واحدا يكفيها كل الاختيارات، فقال : نريد يا رب أن نكون مقهورين لكل ما تريد.
ولما كنا مختارين أعطانا الله تعالى هذه القضية : من كفر فعليه كفره... ٤٤ ( الروم ) وكلمة( عليه ) تفيد الدين والوزر، و( له ) تفيد النفع، فإذا جئنا بالمقابل بقول : ومن آمن فله إيمانه، كما في : إن الأبرار لفي نعيم١٣ وإن الفجار لفي جحيم١٤ ( الانفطار )
لكن القرآن لم يأت بهذا المقابل، إنما عدل إلى مسألة أخرى : ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون٤٤ ( الروم ) فلماذا ؟ قالوا : لأن فائدة الإيمان أن تعتقد بوجود إله قادر واحد هو الله فتؤمن به، فإذا ما أمرك تطيع، فعلة الإيمان التكليف ؛ لذلك حين تبحث أي تكليف إياك أن تنظر إلى علته فتقول : كلفني بكذا لكذا، فعلة التكليف وحكمته عنده تعالى.
فإذا قلنا مثلا : حكمة الصيام أن يشعر الغني ويذوق ألم الجوع فيعطف على الفقير، فهل يعني هذا أن الفقير المعدم لا يصوم ؟ إذن : ليست هذه حكمة الصيام، والأصوب أن تقول : أصوم ؛ لأن الله أراد منى أن أصوم، وحكمة الصيام عنده هو.
ومثلنا لذلك ولله تعالى المثل الأعلى : أنت حين تشكو مرضا أو ألما تسأل عن الطبيب الماهر والمتخصص حتى تنتهي إليه، وعندها تنتهي مهمة عقلك، فتضع نفسك بين يديه يفحصك ويشخص مرضك، ويكتب لك الدواء، فلا تعارضه في شيء، ولا تسأله لماذا كتب هذا الدواء.
فإذا سألك زائر مثلا : لماذا تأخذ هذا الدواء ؟ لا تقول : لأن من خصائصه كذا، ومن تفاعلاته كذا، إنما تقول : لأن الطبيب وصفه لي، مع أن الطبيب بشر قد يخطئ، وقد يكتب لك دواء، أو يعطيك حقنة تريدك، ومع ذلك تسلم له بما يراه مناسبا لك، فإذا كنت لا تناقش الطبيب وهو خطأ، فكيف تناقش الله فيما فرضه عليك وتطلب علة لكل شيء ؟
ولا يناقش في علل الأشياء إلا المساوي، فلا يناقش الطبيب إلا طبيب مثله، كذلك يجب أن نسلم لله تعالى بعلل الأشياء وحكمتها إلى أن يوجد مساو له سبحانه يمكن أن يناقشه.
والحق سبحانه يبين لنا علة الإيمان – لا الإيمان في ذاته – إنما ما يترتب عليه من طاعة أوامر هذا الإله. وعلى طاعة هذه الأوامر يترتب صلاح الكون، بدليل أن الله يطلب من المؤمنين أن ينشروا الدعوة، وأن يبلغوها، وأن يحاربوا من يعارضها ويمنعهم من نشرها.
فما شهر السيف في الإسلام إلا لحماية بلاغ الدعوة، فإن تركوك وشأنك فدعهم، بدليل أن البلاد التي فتحها الإسلام ظل بها أصحاب ديانات أخرى على دياناتهم، وهذا دليل على أن الإسلام لم يرغم أحدا على اعتناقه.
لكن ما دام الإسلام قد فتح البلاد فلا بد أن تكون له الغلبة، وأن يسير الجميع معه في ظل منهج الله، فيكون للكافر ولغير ذي الدين ما لصاحب الدين.
فكأن الحق سبحانه يريد لقوانينه أن تحكم آمنت به أو لم تؤمن ؛ لأن صلاح الكون لا يكون إلا بهذه القوانين.
إذن : فأنت حر، تؤمن أو لا تؤمن، لكن مطلوب ممن آمن أن يحمى الدعوة في البلاغ، ثم يترك الناس أحرارا، من آمن فيها ونعمت، ومن أبى نقول له : لك ما لنا، وعليك ما علينا.
إذن : فأصل الإيمان لصلاح الخلافة، ولا يهتم الله سبحانه بأنك تؤمن أو لا تؤمن، ما دام منهج الخلافة قائما، وهذا المنهج يعود نفعه على المؤمن وعلى الكافر، فإذا كان الإيمان يربي الإنسان على ألا يفعل إلا خيرا وصلاحا، فالكافر لا بد وأن يستفيد من هذا الصلاح. وهل قال الشرع للمؤمن : لا تسرق من المؤمن ؟ لا إنما أيضا لا تسرق من الكافر... الخ، فالكل أمام منهج الله سواء.
وفي القرآن آية ينبغي أن نتنبه لها، ونعرف غير المؤمنين بها، ليعلموا أن الإيمان إنما يحمي مصلحة الناس جميعا، إنها قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما١٠٥ واستغفر الله... ١٠٦ ( النساء ) يعني : إن خطر لك أن تكون لصالح الخائن، استغفر الله من هذا إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما١٠٧ ( النساء ) ولو كان مؤمنا به.
ولهذه الآية قصة مشهورة هي قصة اليهودي زيد بن السمين، وقد جاءه طعمة بن أبيريق-وكان مؤمنا- وقال : يا زيد خذ هذه الدرع أمانة عندك فقبله زيد، وإذا بالدرع مسروق قد سرقه ابن أبيريق من قتادة بن النعمان١ ووضعه في جوال من الدقيق، فكان على الدرع أثار الدقيق، فلما بحث ابن النعمان عن درعه دله أثر الدقيق على بيت ابن السمين اليهودي فاتهمه بسرقته.
ثم جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحكم في أمره، فقص عليه ما كان من أمر ابن أبيريق، وأنه وضعه عنده على سبيل الأمانة.
وعندها عز على المسلمين أن يسرق واحد منهم، وأن يأخذها اليهود ذلة في حقهم، وأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يدبر الأمر في رأسه، فإن حكم على المسلم أخذها اليهود حجة، وإن حكم للمسلم كانت عيبا وسبة في الدين، فأسعفه ربه بهذه الآية : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما١٠٥ ( النساء ) فقال : بين الناس لا بين المؤمنين فحسب.
ومعنى ولا تكن للمؤمنين خصيما١٠٥ ( النساء ) البعض يقولون : لا تخاصم الخائن حتى لا يضطهدك، إنما المراد : لا تكن خصيما لصالحه. واستغفر الله.... ١٠٦ ( النساء ) إن طرأت عليك مسألة الإسلام وصورته بين غير المسلمين ؛ لأن الله في مبدأ الإصلاح لا يحب كل خوان أثيم.
ولو أن غير المسلمين تنبهوا إلى هذه القضية، وعلموا أن الله تعالى عدل الحكم للمؤمنين، وأعلنه لرسول الله، وقرر أن الحق هو الحق، والكل أمامه سواء المؤمن وغير المؤمن لعلموا أن الإسلام هو الدين الحق ولأقبلوا عليه، لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم : " من عادى ذميا فأنا خصيمه يوم القيامة " ٢.
لأنك إن عاديته واضطهدته أو هددته في حياته، أو في عرضه، أو في ماله لصارت حجة له في ألا يؤمن، وله أن يقول : إذا كان هذا هو حال المؤمنين، فما الميزة في الإسلام حتى أعتنقه ؟ بل من مصلحتي أن أبتعد عنه، لكن إن عاملته بالحق وبالخير والحسنى لعطفته إلى الإسلام، وجعلته يؤنب نفسه ألا يكون مسلما.
لذلك سبق أن قلنا : إن سيدنا إبراهيم- على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- جاءه رجل فاشتم منه أنه غير مسلم، فلما سأله قال : أنا مجوسي فرد الباب في وجهه، فانصرف الرجل، وإذا بإبراهيم –عليه السلام- يتلقى الوحي من الله : يا إبراهيم لم تقبل أن تضيفه لأنه على غير دينك، وأنا قبلته طوال عمره في ملكي وهو كافر بي.
فأسرع إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به واسترضاه، فقال الرجل : وماذا جرى لقد طردتني ونهرتني منذ قليل ؟ فقال : إن ربي عاتبني في أمرك، فقال الرجل : إن ربا يعاتب أنبياءه بشأن أعدائه لحقيق أن يعبد. لا إله إلا الله، إبراهيم رسول الله.
إذن : نفهم من هذا أن العمل الصالح هو مطلوب الإيمان، وإذا آمنت بإله لتأخذ الحكم منه وأنت مطمئن أنه إله حق، فلا يهم بعد ذلك أن تؤمن أو لا تؤمن، المهم قاعدة الصلاح في الكون وفي حركة الحياة، لذلك لم يقل ومن آمن فله إيمانه، كأن المراد بالإيمان العمل ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون٤٤ ( الروم ) لأنه لا يعمل صالحا إلا إذا كان مؤمنا.
ونلحظ هنا أن الآية تتحدث عن صيغة المفرد : من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا... ٤٤ ( الروم ) ثم يتحول إلى صيغة الجمع فلأنفسهم يمهدون٤٤ ( الروم ) ولم يقل : فهو يمهد لنفسه، فلماذا ؟
قالوا : لأن الذي يعمل الصالح لا يعمله لذاته، إنما له ولذريته من بعده، كما جاء في قوله سبحانه : والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم... ٢١ ( الطور ) إذن : ساعة تكلم عن الإيمان جاء بالمفرد، وساعة تكلم عن الجزاء جاء بصيغة الجمع.
كما أن العمل الصالح يأتي من ذات الإنسان، ويستقبله هو من غيره، وكلمة( من ) هنا تصلح للمفرد وللمثنى وللجمع بنوعيه، وتحل محل جميع الأسماء الموصولة تقول : من جاء فأكرمه، ومن جاءتك فأكرمها، ومن جاءاك فأكرمهما، ومن جاءوك فأكرمهم.

١ قتادة بن النعمان بن زيد الأنصاري الأوسي، صحابي بدري، من شجعانهم، كان من الرماة المشهورين، شهد المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت معه يوم الفتح راية بني ظفر، وتوفى بالمدينة عام٢٣هـ وهو ابن ٦٥ سنة، وهو أخو "أبي سعيد الخدري" لأمه. (الأعلام للزركلي ٥/١٨٩)..
٢ أخرج أبو داود في سننه(٣٠٥٢) عن عدة من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ألا من ظلم معاهدا أو انتقصه أو كلفه فوق طاقته أو أخذ منه شيئا بغير طيب نفس فأنا حجيجه يوم القيامة ". قال السخاوي في المقاصد الحسنة: سنده لا بأس به، ولا يضر جهالة من لم يسم من أبناء الصحابة، فإنهم عدد منجبر به جهالتهم..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير