ﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ ﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ ﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓ

١- الدليل على وحدانية الله الخلق والإنعام، فإنه خلق السموات بما فيها من شمس وقمر ونجوم وملائكة، وذللها للناس، جالبة لهم المنافع، وخلق الأرض وما فيها من جبال وأشجار وثمار ومعادن وماء وهواء وبخار وذرة وما لا يحصى، وكلها لنفع الإنسان. وأكمل النعم وأتمها على بني آدم، سواء كانت ظاهرة مشاهدة محسوسة، كالصحة وكمال الخلقة والمال والجاه والجمال، وشرائع الإسلام، أو معقولة مجردة كالمعرفة والعقل وحسن اليقين بالله تعالى، وسواء كانت معروفة أو ستعرف علميا مع تطور الاكتشافات العلمية المتجددة في كل عصر.
٢- بالرغم من كثرة الأدلة الدالة على توحيد الله من الخلق والإنعام، فإن فريقا من الناس كالنّضر بن الحارث وأبيّ بن خلف يجادلون أو يخاصمون في التوحيد بغير حجة عقلية أو نقلية من سنة رسول أو بيان كتاب مضيء نيّر، وإنما الحجة هي الشيطان فيما يلقى إليهم، وإلا تقليد الأسلاف، كما قال تعالى:
وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ [الأنعام ٦/ ١٢١].
٣- إذا أمر المشركون باتباع ما أنزل الله على رسوله من الآيات البينات والشرائع المطهرة، لم يجدوا جوابا إلا التمسك بتقليد الآباء والأجداد، وبما يزين لهم الشيطان من الوساوس والأهواء، فإنهم يتبعونه على ضلال.
سلامة منهج المؤمن وسوء طريقة الكافر
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٢٢ الى ٢٤]
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (٢٢) وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ (٢٤)

صفحة رقم 161

البلاغة:
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ مجاز مرسل في وَجْهَهُ من قبيل إطلاق الجزء وإرادة الكل.
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ بينهما ما يسمى بالمقابلة.
فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى تشبيه تمثيلي، شبّه من تمسك بالإسلام بمن أراد الصعود إلى قمة جبل، فتمسك بأوثق حبل، وحذف أداة التشبيه للمبالغة.
وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ تقديم ما حقه التأخير لإفادة الحصر.
عَذابٍ غَلِيظٍ استعارة الغلظ للشدة لأنه إنما يكون للمادة الكثيفة، فاستعير للمعنى.
المفردات اللغوية:
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ أي يفوض أمره إليه، ويقبل على طاعته، ويخلص عبادته إليه. وَهُوَ مُحْسِنٌ متقن عمله. فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى تعلق بأوثق وأمتن ما يتعلق به، وهو الطرف الأوثق الذي يؤمن انقطاعه، وهو تمثيل للمتوكل المشتغل بالطاعة بمن أراد أن يترقى شاهق جبل، فتمسك بأوثق عرا الحبل المتدلي منه. وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ مرجعها إذ الكل صائر إليه.
وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ أي فلا يضرك في الدنيا والآخرة، ولا تهتم بكفره. إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ أي مصيرهم إلى الله في الدارين. فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا نجازيهم بأعمالهم بالإهلاك والتعذيب. عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بحديث النفس الكائن في الصدور كما أنه عليم بما في غيرها، فمجاز عليه. نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا نمتعهم في الدنيا أيام حياتهم تمتيعا قليلا أو زمانا قليلا، فإن ما يزول بالنسبة إلى ما يدوم قليل. نَضْطَرُّهُمْ نلزمهم في الآخرة. إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ ثقيل عليهم، وهو عذاب النار، لا يجدون عنه محيصا.
المناسبة:
بعد بيان حال الكافر المجادل في الله جهلا وعنادا، أبان الله تعالى حال المسلم، وأخبر بأن منتهى الأمور صائرة إليه، ثم أردفه بتسلية الرسول صلّى الله عليه وسلّم على ما يلقاه من إعراض المشركين عن دعوته عنادا، وهددهم بالعقاب الشديد في الدنيا والآخرة، مع التنبيه بأن عذاب الآخرة أشد وأثقل.

صفحة رقم 162

التفسير والبيان:
وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ مُحْسِنٌ، فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى، وَإِلَى اللَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ أي ومن يخلص العبادة والعمل إلى الله، وينقاد لأمره، ويتبع شرعه، مع إتقان عمله باتباع ما أمر الله به، وترك ما نهى عنه وزجر، فقد تمسك بالحبال الواثقة، أي تعلق بأوثق الوسائل الموصلة إلى رضوان الله، وسيلقى الجزاء الحسن على عمله، لأن مصير المخلوقات كلهم إلى الله، فيجازي المتوكل عليه، المخلص عبادته إليه أحسن الجزاء، كما يعاقب المسيء بأشد العذاب.
ثم نصح الله رسوله بألا يهتم بكفر الكافرين، فقال:
وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ، إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ، فَنُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي لا تغتم ولا تجزع على كفر الكافرين الذين كفروا بالله ورسوله، ولا تهتم بهم، ولا تحزن عليهم، فإن مصيرهم إلينا يوم القيامة وفي الدنيا، فنجازيهم بالإهلاك والعذاب، ولا تخفى عليه خافية منهم، ولا يخفى عليه سرهم وعلانيتهم، فنخبرهم بما أضمرته صدورهم. وكلمة مَنْ تصلح للواحد والجمع، فلهذا قال: كُفْرُهُ ثم قال: مَرْجِعُهُمْ وما بعده على المعنى.
ثم بيّن مدى مقامهم في الدنيا، فقال:
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلى عَذابٍ غَلِيظٍ أي نجعلهم يتمتعون في الدنيا بزخارفها تمتعا قليلا أو زمانا قليلا، ثم نلجئهم ونلزمهم بعذاب شاق ثقيل شديد عليهم. والغلظ يكون في الماديات، وأستعير للمعنى، والمراد الشدة.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على أن الناس في الآخرة فريقان: فريق في الجنة، وفريق في

صفحة رقم 163

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية