ثم يقول الحق سبحانه :
نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ( ٢٤ ) .
الحق سبحانه يبين لكل مؤمن ألاّ يغتر بحال الكفار حين يراهم في حال رغد من العيش، وسعة وعافية وتمكن ؛ لأن ذلك كله متاع قليل، والحق سبحانه يريد من أتباع الأنبياء أن يدخلوا الدين على أنه تضحية لا مغنم.
وسبق أن أوضحنا أنك تستطيع أن نفرق بين مبدأ الحق ومبدأ الباطل بشيء واحد، هو استهلال الاثنين، فالداخل في مبدأ الحق مستعد لأن يضحي، والداخل في مبدأ الباطل ينتظر أن يأخذ المقابل ؛ لذلك ضحّى المسلمون الأوائل في سبيل دينهم بالأنفس والأموال، وتركوا بلادهم وأبناءهم لماذا ؟ لأنهم مكلفون بأداء مهمة إنسانية عالمية، لا يحملها إلا من كان مستعدا للعطاء، أما أصحاب الدعوات الباطلة كالشيوعية وغيرها فلا بدّ أن يأخذوا أولا.
لذلك روي أن صحابيا حين سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم البشرى بالجنة، وأنه ليس بينه وبينها إلا أن يحارب فيقتل ألقى تمرات كانت في يده، ولم ينتظر حتى يمضغها، وأسرع إلى المعركة مبتغيا الشهادة وطامعا فيما عند الله، وقد سمع منهم في ساحة القتال أن ينادي أحدهم : هبي يا رياح الجنة، وآخر يقول : إني لأجد ريح الجنة دون أحد.
فقوله تعالى : نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ ( ٢٤ ) [ لقمان ] هذا التمتع بزينة الحياة الدنيا ما هو إلا استدراج لهم لا تكريم، وقلنا : إنك لا تلقي بعدوك من على الحصيرة مثلا، إنما تعليه وترفعه ليكون أخذه أليما وشديدا، كذلك الحق سبحانه يمتعهم، لكن لفترة محدودة لتكون حسرتهم أعظم إذا ما أخذهم من هذا النعيم.
واقرأ في هذا المعنى قول الله تعالى : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ( ٤٤ ) [ الأنعام ] أي : يائسون.
وكلمة الفتح لا تؤدي نفعا إلا إذا جاءت معرفة ( الفتح ) وقلنا : هناك فرق بين فتح لك وفتح عليك، فتح لك أي : لصالحك، أما فتح عليك أي : أعطاك الدنيا لتكون حملا فوق رأسك.
إذن : فإذا رأيت لهم هذا الفتح فلا تغتر به، واعلم أنهم نسوا ما ذكروا به. وقد ورد في الأثر أن الله تعالى إذا غضب من المرء رزقه من الحرام، فإذا اشتد غضبه عليه بارك له فيه.
ذلك ليظل في سعة ورغد عيش وعلو مكان، حتى إذا أخذه الله آلمه الأخذ واشتد عليه، فأخذ الكافر وهو في أوج قوته وجبروته يدل على قوة الأخذ وقدرته، أما الضعيف فلا مزية في أخذه، كالذي يريد أن يحطم الرقم القياسي مثلا، فإنه يعمد إلى أعلى الأرقام فيحطمها ليثبت جدارته.
ومن ذلك أيضا نرى أن القرآن لما أراد التحدي ببلاغته وفصاحته تحدى العرب، وهم أهل الفصاحة والبلاغة وفن الأداء البياني، ولا معنى لأن يتحدى عييا لا يقدر على الكلام.
ومعنى نَضْطَرُّهُمْ.. ( ٢٤ ) [ لقمان ] نلجئهم أي : نضيق عليهم الخناق، بحيث لا يجدون إلا العذاب الغليظ، أو : أن فترة الحساب وما قبل العذاب أشدّ من العذاب نفسه، كما جاء في الحديث من " أن الشمس تدنو من الرؤوس، حتى ليتمنى الناس الانصراف ولو إلى النار ".
ووصف العذاب هنا بأنه { غَلِيظٍ ( ٢٤ ) [ لقمان ] والغلظ يعني السمك، فالمعنى أنه عذاب كبير يصعب قلقلة النفس منه، فلو كان رقيقا لربما أمكن الإفلات منه.
تفسير الشعراوي
الشعراوي