ولو ترى يا محمد إذِ المجرمون وهو الذين قالوا : أئذا ضللنا في الأرض. . . إلخ، و " لو " و " إذ " للماضي، وإنما جاز هنا ؛ لأن المُتَرَقَّبَ محقق الوقوع، و " ترى " هنا، تامة لا مفعول لها، أي : لو وقعت منك رؤيةٌ إذ المجرمون ناكسوا رؤوسِهم أي : وقت كون المجرمين ناكسي رؤوسهم من الذل والحياء والندم، عند ربهم ؛ عند حساب ربهم، قائلين : ربنا أبصَرْنا وسَمِعْنا أي : صدَّقنا الآن وعدك ووعيدك، وأبصرنا ما حدثَتْنا به الرسلُ، وسمعنا منك تصديق رسلك، فارجعنا إلى الدنيا نعملْ صالحاً من الإيمان والطاعة، إِنا موقنون بالبعث والحساب الآن. وجواب " لو " : محذوف، أي : لرأيت أمراً فظيعاً.
قال القشيري : لولا غفلةُ القلوب لما أحال قبض أرواحهم على مَلَكِ الموت ؛ لأنَّ مَلَكَ الموتِ لا أَثَرَ منه في أحد، وما يحصل في التوفِّي فمن خصائص قدرة الحق، ولكنهم غفلوا عن شهود حقائق الربِّ، فخاطبهم على قدر أفهامهم، وعلَّقَ بالأغيار قلوبهم. وكلَّ يُخاطبه بما يحتمل على قدر قوته وضعفه. هـ. وقال في قوله : ولو ترى إذ المجرمون.... الآية : مَلَكَتْهُم الدهشةُ وَغَلبتهم الحجة، فاعترفوا، حينَ لا عُذْرَ، واعترفوا، حينَ لا اعتراف. هـ.
قوله تعالى : ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها.. . قال القشيري : لو شاء سَهَّل سبيلَ الاستدلال، وأدَام التوفيق لكلِّ أحدٍ، ولكن تَعلَّقَتْ المشيئةُ بإغواء قوم، وأردنا أن يكون للنار قُطان، كما يكون للجنة سُكان، لما علمنا يوم خلقناهما أنه ينزلهما قومٌ وقومٌ. فَمن المحال أن نريد ارتفاعَ معلومنا، إذ لو لم يقع، ولم يحصل ؛ لم يكن عِلْماً. فإذا لا أكون إلها. ومن المحال أن أُريد ذلك. ويقال : من يتسلَّطْ عليه من يحبه ؛ لم يجد في مُلْكِه ما يكرهه. يا مسكين أفنيت عُمْرَك في النكد والعناء، وأمضيت أيامك في الجهد والرجاء، غيَّرت صفتك، وأكثرتَ مجاهدتك، فما تفعل فيما مضى، كيف تبدله ؟ وما تصنع في مشيئتي، وبأي وسع ترُدُّها ؟ وأنشدوا١ :
شكا إليك ما وَجَدْ *** من خَانَهُ فيك الجَلَدْ
حيرانُ، لو شئتَ، اهتدى *** ظمآنُ، لو شئتَ، وَرَدْ. هـ.
قوله تعالى : إنما يؤمن... الآية، خروا سُجداً بظواهرهم في التراب، وبسرائرهم، بالخضوع لهيبة الكريم الوهاب، فسجود الجبهة وسيلة لسجود القلب، فإذا سجدت الجبهة وتكبر القلب على عباد الله، كانت وسيلة بلا غاية. وبالله التوفيق.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي