قلنا : إن الحق سبحانه أخفى أسرار الخير عن الخلق، ولم يعطهم منها إلا على قدر حاجتهم منها، فإذا أراد سبحانه أن يجازى عباده المؤمنين لا يجازيهم بما يعلمون من خيرات الدنيا وإمكاناتهم فيها، إنما يجازيهم بما يعلم هو سبحانه، وبما يتناسب مع إمكانات قدرته.
وهذه الإمكانات لا نستطيع نحن التعبير عنها، لأن ألفاظ اللغة لا تستطيع التعبير عنها، ومعلوم أن الإنسان لا يضع الاسم إلا إذا وجد المسمى والمعنى أولا، لذلك قال تعالى في التعبير عن هذا النعيم : فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ.. ( ١٧ ) [ السجدة ].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة : " فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " ١ إذن : كيف نسمّي هذه الأشياء ؟ وكيف نتصوّرها وهي فوق إدراكاتنا ؟ لذلك سنفاجأ بها حين نراها إن شاء الله.
ثم ألا ترى أن الحق سبحانه حينما يعرض علينا طرفا من ذكر الجنة لا يقول لنا الجنة كذا وكذا، إنما يقول : مثل الجنة التي وعد المتقون.. ( ٣٥ ) [ الرعد ] أي : أن ما نعرضه عليك ليس هو الجنة، إنما شبيه بها، أما هي على الحقيقة ففوق الوصف الذي تؤديه اللغة، فأنا أعطيكم الصورة القريبة لأذهانكم.
ثم ينقى الحق سبحانه المثل الذي يضربه لنا من شوائبه في الدنيا، وتأمل في ذلك قول الله تعالى عن نعيم الجنة : مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ.. ( ١٥ ) [ محمد ] وكانت آفة الماء عندهم أن يأسن ويتغير في الجرار، فنقّاه الله من هذه الآفة.
وكذلك في وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ ( ١٥ ) [ محمد ] وكان العربي إذا سار باللبن يحمض فيعافه وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ.. ( ١٥ ) [ محمد ] وآفة خمر الدنيا أنها تغتال العقل، وتذهب به، وليس في شربها لذة، لذلك نرى شاربها والعياذ بالله يتجرّعها مرة واحدة، ويسكبها في فمه سكبا، دليلا على أنها غير طيبة، وهل رأيت شارب الخمر يمتصها مثلا كما تمتص كوبا من العصير، وتشعر بلذة شربه ؟
وقد وصف الله خمر الآخرة بقوله : لا فِيهَا غَوْلٌ٢ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ٣ ( ٤٧ ) [ الصافات ].
ثم يقول سبحانه : وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى.. ( ١٥ ) [ محمد ] فوصف العسل بأنه مصفّى، لأن آفة العسل عندهم ما كان يعلق به من الحصى والشوائب حين ينحدر من بيوت النحل في الجبال، فصفّى الله عسل الآخرة من شوائب العسل في الدنيا.
ومهما بلغ بنا ترف الحياة ونعيمها، ومهما عظمت إمكاناتنا في الدنيا، فلن نرى فيها نهرا من الخمر، أو من اللبن، أو من العسل، ثم إن هذه الأنهار تجري في الجنة بلا شطآن، بل ويتداخل بعضها في بعض دون أن يطغى أحد منها على الآخر، وهذه طلاقة القدرة التي لا حدود لها.
إذن : الحق سبحانه حين يشرح لنا نعيم الجنة، وحين يصفها يعطينا المثال لا الحقيقة، ثم ينقي هذا المثال مما يشوبه في الدنيا.
ومن ذلك أن العربي كان يحب شجرة السدر أي النبق، فيستظل بظلها، ويأكل ثمرها، لكن كان ينغص عليه هذه اللذة ما بها من أشواك لا بدّ أن تؤذي من يقطف ثمارها، فلما ذكرها الله تعالى في نعيم الجنة قال عنها : في سدر٤ مخضود ( ٢٨ ) [ الواقعة ] أي : منزوع الشوك، فالمتعة به تامة لا ينغصها شيء.
ولما تكلم عن نساء الجنة قال سبحانه عن الحور العين : لَمْ يَطْمِثْهُنَّ ٥ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ ( ٧٤ ) [ الرحمن ] فنفى عنهن ما ينغص على الرجل جمال المرأة في الدنيا، وطمأنك أنها بكر لم ينظر إليها أحد قبلك.
لهذا قال تعالى عن نعيم الجنة فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ.. ( ١٧ ) [ السجدة ] والقرة والقرور أي : السكون، ومنه قرّ في المكان أي : استقر فيه، والمعنى أن الإنسان لا يستقر في المكان إلا إذا وجد فيه راحته ومقومات حياته، فإذا أردت أن تستقر في مكان أو تشتري شقة مثلا تسأل عن المرافق والخدمات من ماء وكهرباء وطرق.. الخ.
حتى نحن في تعبيراتنا العامية وفي الريف الذي يحتفظ لنا بخصائص الفطرة النقية التي لم يشبها زيف الحضارات ولا زخرفة المدينة، وهذه الفطريات تستهوي النفوس وتجذبها، بدليل أن الإنسان الحضاري مهما بلغ القمة وسكن ناطحات السحاب، وتوفرت له كل كماليات الحياة لا بدّ أن يأتي اليوم الذي يلجأ فيه إلى أحضان الطبيعة، فلا ترتاح نفسه، ولا تستقر إلا في الريف، فيقضي هناك عدة أيام حيث تهدأ هناك نفسه، وتستريح من ضوضاء المدينة، والبعض يسمونها ( الويك إند ).
فمعنى ( قرة العين ) أي : استقرارها على شيء بحيث لا تتحول عنه إلى غيره، والعين لا تستقر على الشيء إلا إذا أعجبها، ورأت فيه كل ما تصبو إليه من متعة.
ومن ذلك قولنا ( فلان عينه مليانة ) يعني : لا يحتاج مزيدا من المرائي غير ما يراه ( وفلان عينه فارغة ) يعني : لا يكتفي بما يرى، بل يطلب المزيد، فينظر هنا وهناك.
ففي الجنة تقر العيون بحيث لم يعد لها تطلعات، فقد كملت لها المعاني، فلا ينبغي لها أن تطمع في شيءآخر إلا الدوام.
لذلك يخاطب الله رسوله صلى الله عليه وسلم : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ.. ( ١٣١ ) [ طه ].
فالإنسان إذا كانت عينه فارغة تراه زائغ العينين، ينظر هنا وهناك، ولو كانت عينه ( مليانة ) لانتهى عندها.
ومن معاني مادة ( قرّ ) القرّ وهو البرد الشديد، وهذا المعنى يكنون به عن سرور النفس، فالعين الباردة أي : المسرورة، أما العين الساخنة فهي الحزينة المتألمة.
ومن المعاني أيضا لقرور العين سكونها وعدم حركتها لعلة أو عمى، ومن ذلك قول المرأة التي دخلت على الخليفة فقالت : أقرّ الله عينك، وأتمّ عليك نعمتك. ففهم الحاضرون أنها تدعو له، فقال : والله ما دعت لي، إنما دعت عليّ، فهي تقصد أقرّ الله عينك يعني : أسكنها فلا تتحرك، وأتمّ عليك نعمتك. أي : أزالها، لأن النعمة إذا تمت زالت، فلا شيء بعد التمام إلا النقصان.
ثم يعلّل الحق سبحانه هذا النعيم الذي أخفاه لعباده المؤمنين في الجنة بأنه جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٧ ) [ السجدة ] وهذه أثارت معركة بين العلماء هي معركة الأحباء : فريق قال إن المؤمن يدخل الجنة بعمله، كما نصّت هذه الآية أي أن الجنة بالعدل لا بالفضل، وفريق قال : بل يدخل الجنة بفضل الله، كما جاء في قول الحق سبحانه وتعالى : قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( ٥٨ ) [ يونس ].
وقول النبي صلى الله عليه وسلم :( لن يدخل أحد الجنة بعمله قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : ولا أنا إلا أن يتغمدني٦ الله برحمته ) ٧.
فلما حميت هذه المعركة أرادوا أن يوحدوا هذين الرأيين، ويوفقوا بينهما، فقالوا : لقد سبق الله تعالى المكلف بالإحسان، فخلق له مقومات حياته قبل أن يوجد، ثم تركه يرتع في نعمه دون أن يطالبه بشيء حتى بلغ سنّ التكليف.
فإذا ما كلّفه الله بعد سابق نعمه عليه، فعليه أن يطيع هذا التكليف جزاء ما سبق من إحسان الله إليه الإحسان الأول، وبذلك يكون الجزاء في الآخرة ليس على العمل، إنما محض فضل من الله على عباده.
إذن : حينما تؤدي ما كلفك ربك به كأنك تجازي ربك بطاعته على سابق إحسانه إليه، فكأن الجنة ونعيمها زيادة وفضل من الله، فالله سبحانه له الفضل عليك في الأولى، وله الفضل عليك في الآخرة.
ثم إن الحق تبارك وتعالى حين يشرّع لك ويكلفك، فشرعه وتكليفه في ذاته فضل، ألا ترى أن الحسنة عنده سبحانه بعشر أمثالها، وأنها تضاعف إلى أضعاف كثيرة، ونحن ملكه سبحانه، يعطينا أو لا يعطينا.
وبعض أهل المعرفة والشطح يقولون : الله قدّم الإحسان أولا، فيجب على العبد أن يأتي الإحسان جزاء الإحسان، لأنه هل جزاء الإحسان إلا الإحسان ( ٦٠ ) [ الرحمن ].
وحين يحسن العبد في التكليف يحييه ربه بإحسان آخر، فيرد العبد على إحسان ربه إليه بالإحسان، وهكذا يتواصل الإحسان بين العبد وربه إلى ما لا نهاية.
٢ الغول: الصداع. وقيل: السكر. وقال أبو عبيدة: الغول أن تغتال عقولهم. [لسان العرب ـ مادة: غول]..
٣ أنزف القوم: نفد شرابهم. وأنزف القوم إذا ذهب ماء بئرهم وانقطع [لسان العرب ـ مادة: نزف]، قال الضحاك عن ابن عباس: في الخمر أربع خصال: السكر والصداع والقيء والبول فذكر الله تعالى خمر الجنة فنزهها عن هذه الخصال. [ نقله ابن كثير في تفسيره ٤/٧]..
٤ السدر: شجر النبق والسدر من الشجر سدران: أحدهما برى لا ينتفع بثمره. وثمره لا يسوغ في الحلق، والسدر الثاني ينبت على الماء، وثمره النبق أصفر مرّ. [لسان العرب ـ مادة: سدر]. المخضود: هو الذي خضد شوكه فلا شوك فيه.
.
٥ طمثت المرأة: حاضت. فهي طامث. والطمث: الافتضاض وهو النكاح بالتدمية. فمعنى لم يطمثهن إنس أي: لم يمسسهن أحد.
.
٦ تغمده الله برحمته: أدخله فيها وغمره بها. قال أبو عبيد: قوله يتغمدني: يلبسني ويتغشاني ويسترني. [لسان العرب ـ مادة: غمد]..
٧ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه (٦٤٦٣)، وكذا مسلم في صحيحه (٢٨١٦) عن أبي هريرة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي