ﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗ

الآيات ١٨ و١٩ و٢٠ وقوله تعالى : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون [ إلى قوله : ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون ]( ١ ) إن أهل التأويل يقولون : نزلت الآية في شأن علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة بن أبي معيط، كان بينه وبين علي رضي الله عنه كلام وتنازع حتى قال له علي : إنك فاسق وأنا مؤمن، فنزلت الآية في جميع المؤمنين والفاسقين ؛ يخبر أن ليس بينهم استواء.
ثم جائز أن يكون ذكر هذا، ونزل لقول قائل من أولئك الكفرة الفسقة للمؤمنين : إن منزلتنا ومنزلتكم وقدرنا وقدركم في الآخرة عند الله سواء. فنزلت الآية لذلك أنهما ليسا بسواء، فبين منزلة المؤمن عند الله وقدره وما ذكر من الثواب له ومنزلة الفاسق وما( ٢ ) ذكر من الخلود في النار أبدا كقوله : الم أحسب الناس [ العنكبوت : ١ و٢ ]. وكقوله : أم حسب الذين اجترحوا السيئات الآية [ الجاثية : ٢١ ]. أو نزل( ٣ ) ذلك على الابتداء : إنكم تعرفون في عقولكم أن ليس المؤمن المصدق في الشاهد في المنزلة والقدر عنده كالخارج عن أمره والمكذب له. فكيف تطمعون الاستواء عند الله، وأنتم الفسقة الخارجون عن أمر الله، وأولئك هم الصادقون له ؟ والله أعلم بذلك.
ثم الخوارج والمعتزلة يقولون : لو كان الفاسق مؤمنا على ما تقولون لم يكن لما ذكر معنى. فدل أن الفاسق لا يكون مؤمنا حين( ٤ ) ذكر أنهما لا يستويان، وأن المؤمن، مأواه الجنة، والخلود له فيها، والفاسق مقامه في النار، خالد( ٥ ) فيها على ما ذكر. فلو كان على ما تقولون لكانا يستويان، أو كلام نحو هذا.
فيقال لهم. إنا وأنتم نتفق أن هذا الفاسق المذكور في الآية ليس بمؤمن، وأنه لا يستوي المؤمن [ والفاسق ]( ٦ ) لأنه ذكر الفسق مقابل الإيمان. دليله آخر الآية حيث قال : ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون [ السجدة : ٢٠ ].
ذكر التكذيب، والتكذيب هو مقابل الإيمان والتصديق. وكل فسق، كان مذكورا مقابل الإيمان، هو كفر وتكذيب، فهو لا يكون مؤمنا. ولكن هاتوا فسقا ذكر لا مقابل الإيمان، ولكن مقابل غيره من العصيان والمساوئ، ويكون له هذا الوعيد الذي ذكر في هذا.
ألا ترى أن السؤال المذكور مقابل الإيمان كفر كقوله : وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء ؟ [ غافر : ٥٨ ].
فعلى ذلك الفسق المذكور مقابل الإيمان كفر، لا يقع فيه استواء بحال. وأمثال الفسق المذكور، لا يقابل الإيمان. فجائز أن يقع فيهما استواء، وهو أن يغفر له ذنبه، ويكفر عنه سيئته، ويدخل الجنة حين( ٧ ) قال : إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء [ النساء : ٤٨، ١١٦ ] وقال في آية أخرى : إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما [ النساء : ٣١ ] وقال في آية أخرى : أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم الآية [ الأحقاف : ١٦ ] هو في مشيئة الله، وإن شاء عذب، وإن شاء تجاوز عنه.
وأصحاب الحديث يقولون : إن جميع الطاعات إيمان بهذه الآية لأنه قال : أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا .
ثم فسر ذلك المؤمن، فقال : أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى وعد لهم الجنات بالإيمان وعمل الصالحات. فيقال : إن الوعد المطلق هو لمن آمن، وعمل الصالحات.
فأما من آمن، ولم يعمل من الصالحات شيئا فلا( ٨ ) نقول : إن له ذلك الوعد /٤٢٢-أ/ المطلق، ولكن له الوعد الذي ذكرنا.
وفي الآية دلالة : أن قد يعمل المؤمن غير الصالحات، وهو مؤمن، لأنه لو لم يكن منه غير عمل الصالحات لم يكن لشرط العمل الصالح له معنى، دل أن يكون من المؤمن غير العمل الصالح. وذلك على المعتزلة والخوارج.

١ ساقطة من الأصل وم..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: يذكر..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: خالدين..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: حيث..
٨ في الأصل وم: لأنا..

تأويلات أهل السنة

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي

تحقيق

مجدي محمد باسلوم

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت، لبنان
سنة النشر 1426
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 10
التصنيف التفسير
اللغة العربية