ولما قرر الأصول الثلاثة ؛ الرسالة، وبدء الخلق، والمعاد، عاد إلى الأصل الذي بدأ به، وهو الرسالة، فقال :
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآئِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ * وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقَيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
يقول الحق جل جلاله : ولقد آتينا موسى الكتابَ ؛ التوراة فلا تكن في مِرْيةٍ ؛ شك من لقائه ؛ من لقاء موسى الكتاب، أو : من لقائك موسى ليلة المعراج، أو : يوم القيامة، أو : من لقاء موسى ربَّه في الآخرة، كذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وجعلناه هدى لبني إسرائيل ؛ وجعلنا الكتاب المنزَّل على موسى عليه السلام هُدىً لقومه.
وفي الإحياء : للإيمان ركنان : أحدهما اليقين، والآخر : الصبر : والمراد باليقين : المعارف القطعية، الحاصلة بهداية اللهِ عَبْدَهُ إلى أصول الدين، والمراد بالصبر، العمل بمقتضى اليقين ؛ إذ النفس تعرف أن المعصية ضارة والطاعة نافعة. ولا يمكن ترك المعصية والمواظبة على الطاعة إلا بالصبر. فيكون الصبر نصف الإيمان لهذا الاعتبار. هـ. وقوله تعالى : إن ربك هو يفصل بينهم.. ، قال القشيري : يحكم بينهم، فيُبين المقبول من المردود، والمهجور من الموصول، والرّضي من الغَويّ، والعدو من الوليّ. فكم من بَهجةٍ دامت هناك ! وكم من مهجةٍ ذابت كذلك. هـ.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي