ثم يقول الحق سبحانه :
وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ( ٢٣ ) .
والإيتاء يختلف، فهناك من يؤتى بمنهج أو بمعجزة أو بهما معا، وهناك إيتاء لكتاب موقوت، لزمن موقوت، لقوم موقوتين، وإيتاء آخر لكل الأزمان ولكل الأمكنة.
و الْكِتَابَ.. ( ٢٣ ) [ السجدة ] أي : التوراة فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ.. ( ٢٣ ) [ السجدة ] أي : في شك مِّن لِّقَائِهِ.. ( ٢٣ ) [ السجدة ] لقاء موسى عليه السلام أم لقاء الكتاب ؟ إن كان لقاء موسى فهو تبشير بأن الله سيجمع بين سيدنا رسول الله وهو حيّ بقانون الأحياء وموسى عليه السلام الميت بقانون الأموات، وهذا لا يتأتّى إلا إذا كان حديث الإسراء والمعراج في أنهما التقيا فيه صادقا(١).
لذلك في القرآن آية ينبغي أن نقف عندها، وأن نتأملها بيقظة، وهي قوله تعالى : وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ( ٤٥ ) [ الزخرف ].
هذا تكليف من الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يسأل الرسل، فمتى يسألهم ؟ فهذه الآية تنبئ بأنهم لا بدّ أن يلتقوا. فهذه الآية في لقاء موسى والأخرى في لقاء كل الرسل(٢). إذن : علينا أن نصدق بحديث الإسراء والمعراج، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع بإخوانه من الأنبياء وصلى بهم ودار بينهم حوار.
أما إذا كان المعنى فَلَا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ.. ( ٢٣ ) [ السجدة ] أي : لقاء الكتاب، فالتوراة كما قلنا أصابها التحريف والتبديل، وزيد عليها وكذب فيها، لكن سيأتيك يا محمد من أهل التوراة أمثال عبد الله بن سلام من يعرفون التوراة بلا تحريف ويسرون إليك بها، هؤلاء الذين قال الله فيهم : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( ١١٣ ) [ آل عمران ].
ألم يواجه عبد الله بن سلام(٣) قومه من اليهود، فيقول لهم : كيف تكذبون بمحمد، وقد كنتم تستفتحون به على الذين كفروا، فتقولون لهم : لقد أطلّ زمان نبي يأتي فنتبعه، ونقتلكم به قتل عاد وإرم(٤)، لقد تجمعتم من شتى البلاد التي اضطهدتكم، وجئتم إلى يثرب تنتظرون مقدم هذا النبي، فما بالكم تكذبونه ؟
وقال القرآن عنهم : وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ.. ( ٨٩ ) [ البقرة ].
ومن لقاء الكتاب الذي وعد به النبي صلى الله عليه وسلم ما روي عن عبد الله بن سلام أنه لما أراد أن يؤمن أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت يعني : يتبجحون بالكذب فإذا أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ. فاسألهم عني يا رسول الله قبل أن أعلن إسلامي، فلما اجتمع اليهود سألهم رسول الله : ما تقولون في ابن سلام ؟ فقالوا : سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وابن حبرنا.. فقال عبد الله : أما وقد قالوا ما قالوا يا رسول الله فأشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقالوا : شرنا وابن شرنا.
فقال عبد الله : ألم أقل لك يا رسول الله أنهم قوم بهت(٥) ؟
وقوله تعالى : وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ ( ٢٣ ) [ السجدة ] أي : جعلنا الكتاب هدى، وهذا دليل على أن منهم مهتدين بدليل شهادة القرآن لهم : مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ( ١١٣ ) ( ١١٣ ) [ آل عمران ]
وقوله تعالى في الآية بعدها :
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ( ٢٤ ) .
٢ هو قول لعبد الرحمن بن زيد بن أسلم في تفسير الآية (الزخرف: ٤٥) أي: واسألهم ليلة الإسراء، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام جمعوا له. [تفسير ابن كثير ٤/١٢٩]..
٣ هو: عبد الله بن سلام بن الحارث الإسرائيلي أبو يوسف، أسلم عند قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، وكان اسمه "الحصين" شهد مع عمر فتح بيت المقدس والجابية، ولما كانت الفتنة بين على ومعاوية اتخذ سيفا من خشب واعتزلها، وأقام بالمدينة إلى أن مات عام ٤٣ ه. [الأعلام للزركلي ٤/٩٠]..
٤ عن أشياخ من الأنصار قالوا: كنا قد علوناهم قهرا دهرا في الجاهلية ونحن أهل شرك وهم أهل كتاب وهم يقولون إن نبيا سيبعث الآن نتبعه، قد أظل زمانه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم، فلما بعث الله ورسوله من قريش واتبعناه كفروا به. ذكره ابن كثير في تفسيره (١/١٢٤) نقلا عن ابن إسحاق..
٥ بعدما أسلم عبد بن سلام قال: يا رسول الله، إن اليهود قوم بهت، فاسألهم عني قبل أن يعلموا بإسلامي، فجاءت اليهود، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وأفضلنا وابن أفضلنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أرأيتم إن أسلم عبد الله بن سلام؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فأعاد عليهم، فقالوا مثل ذلك فخرج إليهم عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. أخرجه البخاري في صحيحه (٣٩٣٨)، وأحمد في مسنده (٣/١٠٨، ٢٧١، ٢٧٢)..
تفسير الشعراوي
الشعراوي