واختلف في الضمير في قوله : وجعلناه فقيل : هو راجع إلى الكتاب، أي جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل، قاله الحسن وغيره. وقال قتادة : إنه راجع إلى موسى، أي وجعلنا موسى هدى لبني إسرائيل.
وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً أي قادة يقتدون به في دينهم، وقرأ الكوفيون : أئمة قال النحاس : وهو لحن عند جميع النحويين، لأنه جمع بين همزتين في كلمة واحدة، ومعنى يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا أي يدعونهم إلى الهداية بما يلقونه إليه من أحكام التوراة ومواعظها بأمرنا، أي بأمرنا لهم بذلك، أو لأجل أمرنا. وقال قتادة : المراد بالأئمة : الأنبياء منهم. وقيل : العلماء لَمَّا صَبَرُواْ قرأ الجمهور لما بفتح اللام وتشديد الميم، أي حين صبروا، والضمير للأئمة، وفي لما معنى : الجزاء، والتقدير : لما صبروا جعلناهم أئمة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف وورش عن يعقوب ويحيى بن وثاب بكسر اللام وتخفيف الميم، أي جعلناهم أئمة لصبرهم، واختار هذه القراءة أبو عبيد مستدلاً بقراءة ابن مسعود :" بما صبروا " بالباء، وهذا الصبر هو صبرهم على مشاقّ التكليف والهداية للناس، وقيل : صبروا عن الدنيا وَكَانُواْ بئاياتنا التنزيلية يُوقِنُونَ أي يصدّقونها، ويعلمون أنها حق، وأنها من عند الله ؛ لمزيد تفكرهم، وكثرة تدبرهم.
وأخرج الطبراني وابن مردويه والضياء في المختارة بسند، قال السيوطي : صحيح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : فَلاَ تَكُن فِي مِرْيَةٍ مّن لّقَائِهِ قال :«من لقاء موسى»، قيل : أو لقي موسى ؟ قال : نعم، ألا ترى إلى قوله : وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا [ الزخرف : ٤٥ ]. وأخرج الفريابي، وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَوَ لَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ الماء إِلَى الأرض الجرز قال : الجرز التي لا تمطر إلا مطراً لا يغني عنها شيئاً إلا ما يأتيها من السيول. وأخرج ابن أبي شيبة وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عنه في قوله : إِلَى الأرض الجرز قال : أرض باليمن. قال القرطبي في تفسيره : والإسناد عن ابن عباس صحيح لا مطعن فيه. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس في قوله : وَيَقُولُونَ متى هذا الفتح إِن كُنتُمْ صادقين قال : يوم بدر فتح للنبي صلى الله عليه وسلم فلم ينفع الذين كفروا إيمانهم بعد الموت.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني