«ثُمَّ سَوَّاهُ » سوى خلقه وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ يعني آدم ؛ لأن كلمة «ثُمَّ » للتراخي فتكون التسوية بعد جعل النسل من سلالة، وذلك بعد خلق آدم، ثم عاد إلى ذريته فقال : وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار ( أي١ جعل لكم بعد أن كنتم نطفاً السمع والأبصار ) والأفئدة قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ يعني لا تشكرون رب هذه النعم فتوحدونه، فقوله وَجَعَلَ لَكُمُ السمع هذه التفات من ضمير ( غائب )٢ مفرد في قوله :«نَسْلَهُ » إلى آخره إلى خطاب جماعة.
وفي هذا الخطاب لطيفة وهي أن الخطاب يكون مع الحي فلما قال : وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ خاطبه من بعد وقال :«وَجَعَلَ لَكُمْ ».
فإن قيل : الخطاب واقع قبل ذلك كما في قوله تعالى : وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ [ الروم : ٢٠ ].
فالجواب : هناك لم يذكر الأمور المترتبة وهي كون الإنسان طيناً ثم ماء مَهِيناً، ثم خَلْقاً مسوى٣ بأنواع القوى فخاطبه في بعض المراتب دون بعض.
فإن قيل : ما الحكم في ذكر المصدر في السمع وفي البصر والفؤاد الاسم، ولهذا جَمَعَ الأبْصَارَ، والأفئدةَ ولم يجمع السمعَ ؛ لأن المصدر لا يجمع ؟.
فالجواب : أن السمع قوةٌ واحدة ولها مَحِلٌّ واحد وهو الأذن ولا اختيار لها فيه فإن الصوت من أي جانب كان يصل إليه ولا قدرة للأذن على تخصيص السمع بإدراك البعض دُونَ البعض، وأمَّا الإبصار فَمَحِلّهُ العين ولها فيه اختيار فإنها تتحرك إلى جانب٤ المَرْئِيّ دون غيره، وكذلك الفؤاد محل الإدراك وله نوعُ اختيار يلتفت إلى ما يريد دون غيره، وإذا كان كذلك فلم يكن للمحل في السمع تأثير، والقوة مستبدة٥ فذكر القوة في العين والفؤاد ؛ ( لأن للمحل نوع٦ اختيار، فذكر المحل لأن الفعل مسند إلى المختار ألا ترى أنك ) تقول : سَمِعَ زَيْدٌ، ورأى عمرو، ولا تقول :«سَمِعَ أذنُ زَيْدٍ » ولا «رأى عَيْنُ عَمْرو » إلا نادراً لأن المختار هو الأصل وغيره آلته٧، فالسمع أصل دون محله لعدم له لاختيار له والعين كالأصل وقوة الإبصار آلتها والفؤاد كذلك وقوة الفهم آلته فذكر في السمع المصدر الذي هو القوة، وفي الإبصار والأفئدة الاسم الذي هو مَحِلّ القوة ولأن السمع قوة واحدة لها محل واحد ولهذا لا يسمع الإنسان في زمان واحد كلامين على وجه يضبطهما ويرى في زمان واحد صورتين فأكثر ويُتْقِنُهُمَا٨.
٢ ساقط من "ب"..
٣ هكذا هي في تفسير الفخر الرازي ٢٥/١٧٤..
٤ انظر في هذا كله الإمام الفخر الرازي ٢٥/١٧٣: ١٧٥..
٥ في "ب" مستندة..
٦ ما بين القوسين ساقط من "ب"..
٧ في "ب" مانع إليه..
٨ انظر: تفسير الفخر الرازي ٢٥/١٧٥..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود