ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩ

ثم سوّاه أي : سوّى صورته في أحسن تقويم، ونفخ فيه من روحه ، أضافه إلى نفسه، تشريفاً، إشارة إلى أنه خلق عجيب، وأن له شأناً ومناسبة إلى حضرة الربوبية، ولذلك قيل : من عرف نفسه عرف ربه. وقد تقدم في سورة الإسراء، في الكلام على الروح، وجه المعرفة منه١. وجعل لكم السمعَ والأَبْصارَ والأفئدة لتسمعوا كلامه، وتُبصروا آثار قدرته وعجائب حكمته، وتعقلوا، فتعرفوا صانعكم ومُدبرَ أمرِكم. قليلاً ما تشكرون أي : تشكرون شكراً قليلاً على هذه النعم ؛ لقلة التدبر فيها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل ما أظهر الحق تعالى : من تجلياته الكونية ؛ فهي في غاية الإبداع والاتفاق في أصل نشأتها، كما قال صاحب العينية :

وَكُلُّ قَبِيح، إنْ نَسَبْتَ لحُسْنِه أَتَتْكَ مَعَانِي الحُسْنِ فِيهِ تُسَارعُ
يُكَمِّلُ نُقْصَانَ القَبِيحِ جَمَالُهُ فَمَا ثَمّ نُقْصَانٌ، وَلاَ ثَمَّ بَاشِعُ
وأكملُها وأعظمُها : خلقةُ الإنسان، الذي خُلِقَ على صورة الرحمان، حيث جعل فيه أوصافه ؛ من قدرة، وإرادة، وعلم، وحياة، وسمع، وبصر، وكلام، وهيأه لحضرة القدس ومحل الأنس، وسخّر له جميع الكائنات، وهيأه لحمل الأمانة، إلى غير ذلك مما خص به عبده المؤمن. وأما الكافر فهو في أسفل سافلين. قال الورتجبي : ذكر حسن الأشياء، ولم يذكر هنا حسن الإنسان ؛ غيرةً، لأنه موضع محبته، واختياره الأزلي، كقول القائل :
وكم أبصرتُ مِن حُسْنٍ، ولكن عليك، من الورى، وقع اختياري
قال الواسطي : الجسم يستحسن المستحسنات، والروح واحديةٌ فردانيةٌ، لا تستحسن شيئاً. وقال ابن عطاء في قوله : ثم سواه... : قوّمه بفنون الآداب، ونفخ فيه من روحه الخاص، الذي، به، فَضَّله على سائر الأرواح، لما كان له عنده من محل التمكين، وما كان فيه من تدبير الخلافة، ومشافهة الخطاب - بعد أن قال الورتجبي - : أخص الخصائص هو ما سقط من حُسْنِ تَجلِّي ذاته في صورته، كما ذكر بقوله : ونفخ فيه من روحه . هـ.

١ انظر تفسير الآية ٨٥ من سورة الإسراء..

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير