ثم يقول الحق سبحانه :
ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ١ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ( ٩ ) .
وهذه التسوية كانت أولا للإنسان الأول الذي خلقه الله من الطين، كما قال سبحانه : فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ ( ٢٩ ) [ الحجر ] وقد مرّ آدم عليه السلام في هذه التسوية بالمراحل التي ذكرت، كذلك الأمر في سلالته يسويها الخالق عز وجل وتمر بمثل هذه المراحل : من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة.. الخ، ثم تنفخ فيه الروح.
وإذا كان الإنسان لم يشهد كيفية خلقه، فإن الله تعالى يجعل من المشاهد لنا دليلا على ما غاب عنّا، فإن كنّا لم نشهد الخلق فقد شاهدنا الموت، والموت نقض للحياة وللخلق، ومعلوم أن نقض الشيء يأتي على عكس بنائه، فإذا أردنا مثلا هدم عمارة من عدة أدورا فإن آخر الأدوار بناء هو أول الأدوار هدما.
كذلك الحال في الموت، أول شيء فيه خروج الروح، وهي آخر شيء في الخلق، فإذا خرجت الروح تصلب الجسد، أو كما يقولون ( شضّب )، وهذه المرحلة أشبه بمرحلة الصلصالية، ثم ينتن وتتغير رائحته، كما كان في مرحلة الحمأ٢ المسنون، ثم يتحلل هذا الجسد ويتبخر ما فيه من مائية، وتبقى بعض العناصر التي تتحول إلى تراب ليعود إلى أصله الأول.
إذن : خذ من رؤيتك دليلا على صدق ربك عز وجل فيما أخبرك به من أمر الخلق الذي لم تشهده.
وقوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ.. ( ٩ ) [ السجدة ] سبق أن تكلمنا عن هذه الأعضاء، وقد قرر علماء وظائف الأعضاء مهمة كل عضو وجارحة، ومتى تبدأ هذه الجارحة في أداء مهمتها، وأثبتوا أن الأذن هي الجارحة الأولى التي تؤدي مهمتها في الطفل، بدليل أنك إذا وضعت أصبعك أمام عين الطفل بعد ولادته لا ( يرمش )، في حين يفزع عن أحدثت بجواره صوتا، ذلك لأنه يسمع بعد ولادته مباشرة، أما الرؤية فتتأخر من ثلاثة إلى عشرة أيام.
لذلك كانت حاسة السمع هي المصاحبة للإنسان، ولا تنتهي مهمتها حتى في النوم، وبها يتم الاستدعاء، أما العين فلا تعمل أثناء النوم.
وهذه المسألة أوضحها الحق سبحانه في قصة أهل الكهف، فلما أراد الحق سبحانه أن ينيم أهل الكهف هذه المدة الطويلة، والكهف في صحراء بها أصوات الرياح والعواصف والحيوانات المتوحشة، لذلك ضرب الله على آذانهم وعطّل عندهم هذه الحاسة كما قال سبحانه : فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا١١ [ الكهف ].
إذن : الأذن هي أول الأعضاء أداء لمهمتها، ثم العين، ثم باقي الأعضاء، وآخرها عملا الأعصاب، بدليل أن الطفل تصل حرارته مثلا إلى الأربعين درجة، ونراه يجري ويلعب دون أن يشعر بشيء، لماذا ؟ لأن جهازه العصبي لم ينضج بعد، فلا يشعر بهذه الحرارة.
لذلك نجد دائما القرآن يقدم السمع على البصر، ويتقدم البصر إلا في آية واحدة هي قوله تعالى : أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا.. ( ١٢ ) [ السجدة ] لأنها تصور مشهدا من مشاهد القيامة، وفيه يفاجأ الكفار بأهوال القيامة، ويأخذهم المنظر قبل أن يسمعوا الصوت حين ينادي المنادي.
ومن عجائب الأداء البياني في القرآن أن كلمة أسماع يقابلها أبصار، لكن المذكور هنا السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ.. ( ٩ ) [ السجدة ] فالسمع مفرد، والأبصار جمع، فلماذا أفرد السمع وجمع البصر ؟
قالوا : لأن الأذن ليس لها غطاء يحجب عنها الأصوات، كما أن للعين غطاء يسدل عليها ويمنع عنها المرئيات، فإذن فهو سمع واحد لي ولك وللجميع، الكل يسمع صوتا واحدا، أما المرئيات فمتعددة، فما تراه أنت قد لا أراه أنا.
ولم يأت البصر مفردا في هذا السياق إلا في موضع واحد هو قوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئولاً ( ٣٦ ) [ الإسراء ] ذلك لأن الآية تتكلم عن المسئولية، والمسئولية واحدة ذاتية لا تتعدى، فلا بدّ أن يكون واحدا.
ومن المناسب أن يذكر الحق سبحانه السمع والأبصار والأفئدة بعد الحديث عن مسألة الخلق، لأن الإنسان يولد من بطن أمه لا يعلم شيئا، وبهذه الأعضاء والحواس يتعلّم ويكتسب المعلومات والخبرات كما قال سبحانه : وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٧٨ ) [ النحل ].
إذن : فهذه الأعضاء ضرورية لوجود الإنسان الخليفة في الأرض، وبها يتعايش مع غيره، ولا بدّ له من اكتساب المعلومات، وإلاّ فكيف سيتعايش مع بيئته ؟
وقلنا : إن الإنسان لكي يتعلم لا بدّ له من استعمال هذه الحواس المدركة، كل منها في مناطه، فاللسان في الكلام، والعين في الرؤية، والأذن في السمع، والأنف في الشم، والأنامل في اللمس.
وقلنا : إن هذه الحواس هي أمهات الحواس المعروفة، حيث عرفنا فيما بعد حواس أخرى، لذلك احتاط العلماء لهذا التطور، فأطلقوا على هذه الحواس المعروفة اسم " الحواس الظاهرة "، وبعد ذلك عرفنا حاسة البين التي نعرف بها رقة القماش وسمكه، وحاسة العضل التي نعرف بها الثقل.
إذن : حينما يولد الإنسان يحتاج إلى هذه الحواس ليتعايش بها ويدرك ويتفاعل مع المجتمع الذي يعيش فيه، ولو أن الإنسان يعيش وحده ما احتاج مثلا لأن يتكلم، لكنه يعيش بطبيعته مع الجماعة، فلا بد له أن يتكلم ليتفاهم معهم، وقبل ذلك لا بدّ له أن يسمع ليتعلم الكلام.
وعرفنا سابقا أن اللغة وليدة السماع، فالطفل الذي يولد في بيئة عربية ينطق بالعربية، والذي يعيش في بيئة إنجليزية ينطق الإنجليزية وهكذا، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فإذا لم تسمع الأذن لا ينطق اللسان.
لذلك سبق أن قلنا في سورة البقرة في قول الله تعالى : صم بكم.. ( ١٨ ) [ البقرة ] أن البكم وهو عدم الكلام نتيجة الصمم، وهو عدم السماع، فالسمع إذن هو أول مهمة في الإنسان، وهو الذي يعطيني الأرضية الأولى في حياتي مع المجتمع من حولي.
ومعلوم أن تعلم القراءة مثلا يحتاج إلى معلم أسمع منه النطق، فهذه ألف، وهذه باء، هذه فتحة، وهذه ضمة.. الخ، فإذا لم أسمع لا أستطيع النطق الصحيح، ولا أستطيع الكتابة.
وبالسماع يتم البلاغ عن الله من السماء إلى الأرض، لذلك تقدم ذكر السمع على ذكر البصر.
والحق سبحانه لما تكلّم عن السمع بهذه الصورة قال : أنا سأسمع أسماء الأشياء، فهذه أرض، وهذه سماء.. الخ، لذلك حينما نعلم التلميذ نقول له : هذه عين، وهذه أذن.
وبعد أن يتعلم التلميذ من معلّمه القراءة يستطيع بعد ذلك أن يقرأ بذاته، فيحتاج إلى حاسّة البصر في مهمة القراءة، فإذا أتم تعليمه واستطاع أن يصحح قراءته بنفسه، واختمرت عنده المعلومات التي اكتسبها بسمعه وبصره استطاع أن يقرأ أشياء أخرى غير التي قرأها له معلمه، واستطاع أن يربي نفسه ويعلمها حتى تتكون عنده خلية علمية يستحدث من خلالها أشياء جديدة، ربما لا يعرفها معلمه، وهذه مهمة الفؤاد وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ.. ( ٩ ) [ السجدة ].
فالمعانى تتجمع بهذه الحواس، حتى يصير الإنسان سويا لديه الملكة التي يتعلم بها، ثم يعلم هو غيره.
واللغة المنطوقة لا تتعلم إلا بالسماع، فأنا سمعت من أبي، وأبي سمع من أبيه، وتستطيع أن تسلسل هذه المسألة لتصل إلى آدم عليه السلام أبي البشر جميعا، فإن قلت : فممّن سمع آدم ؟ نقول : سمع الله حينما علّمه الأسماء كلها :{ وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا٣ ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ( ٣١ ) [ البقرة ].
وهذا أمر منطقي، لأن اللغة المسموعة بالأذن لا يمكن لأحد اختراعها، ومع ذلك يوجد من يعترض على هذه المسألة، يقول : هذا يعني أن اللغة توقيفية، لا دخل لنا فيها، بمعنى : أننا لا نستحدث فيها جديدا.
ونقول : نعم، اللغة أمر توقيفي، لكن أعطى الله آدم الأسماء وعلّمه إياها، وبهذه الأسماء يستطيع أن يتفاهم على وضع غيرها من الأسماء في المعلومات التي تستجد في حياته.
وإلا، فكيف سمينا ( الراديو والتليفزيون.. الخ ) وهذه كلها مستجدات لا بدّ لها من أسماء، والاسم لا يوجد إلا بعد أن يوجد مسمّاه، وهذه مهمة المجامع اللغوية التي تقرر هذه الأسماء، وتوافق على استخدامها، وقد
اصطلح المجمع على تسمية الهاتف : مسرة. والتليفزيون : تلفاز.. الخ.
إذن : أتينا بهذه الألفاظ واتفقنا عليها، لأنها تعبر عن المعاني التي نريدها، وهذه الألفاظ وليدة الأسماء التي تعلمها آدم عليه السلام، فاللغة بدأت توقيفية، وانتهت وضعية.
وقوله تعالى بعد هذه النعم : قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ ( ٩ ) [ السجدة ] دليل على أن هذه النعم تستوجب الشكر، لكن قليل منّا من يشكر، وكان ينبغي أن نشكر المنعم كلما سمعنا، وكلما أبصرنا، وكلما عملت عقولنا وتوصلت إلى جديد.
لذلك، كان شكر المؤمن لربه لا ينتهي، كما أن أعياده وفرحته لا تنتهي، فنحن مثلا نفرح يوم عيد الفطر بفطرنا وبأدائنا للعبادة التي فرضها الله علينا، وفي عيد الأضحى نفرح، لأن سيدنا إبراهيم عليه السلام تحمّل عنّا الفداء بولده، لكي يعفينا جميعا من أن يفدي كل منّا، ويتقرب إلى الله بذبح ولده، وإلا لكانت المسألة شاقة علينا، لذلك نفرح في عيد الأضحى، ونذبح الأضاحي، ونؤدي النسك في الحج.
وما دام المؤمن ينبغي له أن يفرح بأداء الفرائض وعمل الطاعات، فلماذا لا نفرح كلما صلّينا أو صمنا أو زكينا ؟ لماذا لا نفرح عندما نطيع الله بعمل المأمورات، وترك المنهيات ؟ لماذا لا نفرح في الدنيا حتى يأتي يوم الفرح الأكبر، يوم تتجمع حصيلة هذه الأعمال، وننال ثوابها الجنة ونعيمها ؟
واقرأ إن شئت قول ربك : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ( ٩ ) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( ١٠ ) [ يونس ].
٢ الحمأ: الطين الأسود، ومسنون أي: مصبوب في قالب إنساني، أو مصور بصورة إنسان أو طين كالفخار صالح للتصوير والصقل. [القاموس القويم ١/٣٣١]..
٣ عن ابن عباس قال: علم الله آدم الأسماء كلها، وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس: إنسان، ودابة، وبحر، وسهل، وجبل، وحمار، وأشباه ذلك من الأمم وغيرها. [أورده السيوطي في الدر المنثور ١/١٢١ وعزاه لابن جرير الطبري].
قال ابن كثير في تفسيره (١/٧٣): "علمه أسماء الأشياء كلها ذراتها وصفاتها وأفعالها كما قال ابن عباس: حتى الفسوة والفسية. يعني: أدوات الأسماء والأفعال المكبّر والمصغر"..
تفسير الشعراوي
الشعراوي