أن يصلح أعمالهم فقال:
٧١ - يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ قال ابن عباس: يتقبل حسناتكم (١). قال مقاتل: يزكي أعمالكم (٢).
٧٢ - قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ (٣) قال ابن عباس: الأمانة الفرائض التي افترضها الله على العباد (٤).
وقال الحسن: هو الدين، فالدين كله أمانة (٥).
وقال أبو العالية: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه (٦).
وقال مقاتل: الأمانة هي الطاعة (٧). والأمانة في هذه الآية في قول جميعهم: الطاعة والفرائض التي (٨) يتعلق بأدائها الثواب وبتضييعها العقاب (٩).
وروى زيد بن أسلم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "الأمانة ثلاثة: الصلاة
(٢) انظر: "تفسير مقاتل" ٩٦ ب.
(٣) قوله: (والجبال) ساقط من (ب) وهو خطأ.
(٤) انظر: "تفسير الطبري" ٢٢/ ٥٤. "تفسير الماوردي" ٤/ ٤٢٨، "معاني القرآن" للنحاس ٥/ ٣٨٤، "مجمع البيان" ٨/ ٥٨٤.
(٥) انظر: "تفسير الماوردي" ٤/ ٤٢٨.
(٦) انظر: "تفسير الماوردي" ٤/ ٤٢٨، "مجمع البيان" ٨/ ٥٨٤، وذكره السيوطي في "الدر" ٦/ ٦٦٨، وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٧) انظر: "تفسير مقاتل" ٩٦ ب.
(٨) في (ب): (الذي).
(٩) انظر: "تفسير الطبري" ٢٢/ ٥٧، "معاني القرآن" للنحاس ٥/ ٣٨٤، "تفسير زاد المسير" ٦/ ٤٢٨، "تفسير القرطبي" ١٤/ ٢٥٤.
والصيام والغسل من الجنابة" (١).
وروي عن الحسن في هذه الآية قال: عرضت الأمانة على السموات السبع الطباق التي زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن (٢) لها: إن أحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتم. قلن: لا، ثم عرضت على الأرضين السبع اللاتي شددن بالأوتاد وذللت للمهاد وأسكنت العباد، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قلن لها (٣): إن أحسنتن جزيتنن وإن أسأتن عوقبتن (٤). قلن: لا، ثم عرضت على الجبال الصم الشم الشوامخ البوادخ الصلاب الصعاب، فقيل لهن: أتأخذن الأمانة بما فيها؟ قلن: وما فيها؟ قيل: إن اْحسنتن جزيتن وإن أسأتن عوقبتن، قلن: لا. فذلك قوله: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا.
وقال ابن جريج: قالت السموات: يا رب خلقتني وجعلتني سقفا محفوظًا، وأجريت في الشمس والقمر، لا أتحمل فريضة ولا أبتغي ثوابًا ولا عقابًا (٥).
(٢) كذا في النسخ وهي في "الوسيط" قبل لهن.
(٣) في (ب): (وإن أسأتن جوزيتن عقوبتين)، وهو خطأ.
(٤) لم أقف عليه وقد أخرج ابن أبي حاتم في "تفسيره" ١٠/ ٣١٦٠ نحو هذا القول عن مجاهد.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم في "التفسير" ١٠/ ٣١٥٩ عن ابن جريح.
وقال مقاتل بن حيان: بدأ الله بالسموات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة، فقال لهن: أتحملن هذه الأمانة ولكن علي الفضل والكرامة والثواب في الجنة؟ قلن: يا رب إنا لا نستطيع هذا الأمر وليست بنا قوة ولكنا لك مطيعون. وقال للأرض مثل ذلك، فقالت: لا صبر لنا على هذه يا رب ولا نطيقه، ولكنا لك سامعون مطيعون ولا نعصيك في شيء تأمرنا به. ثم قربت الجبال كلها فقلن مثل ذلك وهذا قول جميع المفسرين (١). وعلى هذا يكون العرض على أعيان هذه الأشياء بأن ركب الله تعالى فيهن العقول ويفهمن (٢) خطابهن حتى فهمن ونطقن بالجواب، ومعنى قوله: فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا أي: مخافة وخشية، لا معصية ومخالفة، والعرض كان تخييرًا لا لزامًا.
قوله تعالى: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ قال ابن عباس: قال الله لآدم: إني عرضت الأمانة على السموات والأرض فلم تطقها أفتحملها أنت [بما فيها] (٣)؟ قال: وما فيها؟ قال: إن أحسنت جزيت وإن أسأت عوقبت (٤). قال: فأنا أتحملها بما فيها، فلم يلبث في الجنة إلا قدر ما بين الأولى والعصر حتى أخرجه الشيطان منها (٥).
(٢) هكذا في النسخ، والذي يظهر أنه خطأ، والصواب هو كما في "الوسيط" ٣/ ٤٨٤ أفهمهن خطابه.
(٣) ما بين المعقوفين طمس في (ب).
(٤) في (ب): (عوقبتم).
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ٢٢/ ٥٤، "تفسير القرطبي" ١٤/ ٢٥٣، "تفسير زاد المسير" ٦/ ٤٢٧.
وقال في رو اية عطاء: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ يريد آدم -عليه السلام-، عرض عليه أداء الفرائض والصلوات الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، وصام رمضان وحج البيت، على أن له الثواب وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي (١).
وقال ابن حيان: قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: وما لي عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة فذلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت وأسأت فإني معذبك ومعاقبك. قال: قد رضيت ربي وتحملها، فقال الله قد حملتها فذلك قوله: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (٢).
وقال ابن عثمان: عرضت على آدم الطاعة والمعصية وعرف ثواب الطاعة وعقاب المعصية (٣) قوله: إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا، قال الكلبي: ظلمه حين عصى ربه فأخرج من الجنة وجهله حين احتملها (٤). وقال المقاتلان: ظلومًا لنفسه جهولًا بعاقبة ما تحمل (٥). وهذا معنى قول المفسرين.
(٢) ذكره ابن أبي حاتم ١٠/ ٣١٦٠ عن مجاهد، وابن كثير ٥/ ٥٢٤ وعزاه لابن أبي حاتم.
(٣) لم أقف عليه. وقد ذكر القرطبي في "تفسيره" ١٤/ ٢٥٣ نحو هذا القول عن ابن عباس.
(٤) لم أقف عليه وانظر: المصدر السابق.
(٥) لم أقف على قول ابن حبان، وانظر: قول ابن سليمان في "تفسيره" ٩٦ ب.
وقال قتادة: ظلومًا للأمانة جهولًا بحقها (١).
هذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية مذهب الجمهور أهل التفسير، وقال السدي: الأمانة هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله وولده وخيانته إياه في قتل أخيه، وذلك أن الله تعالى قال لآدم إن لي بيتًا بمكة فأته. قال آدم للسماء: احفظي ولدي بالأمانة فأبت، وقال للأرض فأبت، وقال للجبال فأبت، فقال لقابيل، قال: نعم تذهب وترجع وتجد أهلك كما يسرك، فانطلق آدم ثم رجع وقد قتل قابيل هابيل (٢).
وقال أبو إسحاق: حقيقة تفسير هذه الآية -والله أعلم- أن الله تعالى ائتمن بني آدم على ما افترض عليهم من طاعته، وائتمن السموات والأرض والجبال بقول: ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ [فصلت: ١١] فعرفنا الله أن السموات والأرض لم تحمل الأمانة أي: [أدتها] (٣) فكل من خان الأمانة فقد حملها وكذلك من أثم فقد حمل الإثم ويسمى حاملًا للإثم والسموات والأرض أبين أن يحملن الأمانة وأديتها وأداؤهما طاعتهما فيما أمر الله به وترك المعصية، وحملها الإنسان، قال الحسن: أراد الكافر والمنافق حملا الأمانة أي: خانا ولم يطيعا، قال: فهذا المعنى والله أعلم صحيح، ومن أطاع الأنبياء والصديقين والمؤمنين لا يقال ظلومًا جهولًا وتصديق ذلك ما يتلو هذا من قوله: لِيُعَذِّبَ اللَّهُ (٤).
قال الأزهري: [وما علمت أحد شرح في هذه الآية ما شرحه أبو
(٢) انظر: "تفسير الطبري" ٢٢/ ٥٦ - ٥٧، "تفسير زاد المسير" ٦/ ٤٢٨.
(٣) ما بين المعقوفين طمس في جميع النسخ والتصويب من "معاني القرآن وإعرابه".
(٤) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٣٨ باختصار واختلاف في العبارة.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي