ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢ ﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶ

وختمت السورة بدعوة المشركين إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، قبل أن يأتي يوم القيامة، فيطلبون العودة إلى دار الدنيا للإيمان بالقرآن وبالرسول محمد صلّى الله عليه وسلّم، والإتيان بصالح الأعمال، ولكن يحال بينهم وبين ما يشتهون، لفوات الأوان.
صفات الملك والقدرة والعلم لله تعالى
[سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١ الى ٢]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)
الإعراب:
الَّذِي لَهُ... إما في موضع جر على النعت أو البدل، أو في موضع رفع على إضمار مبتدأ، أو في موضع نصب بمعنى أعني.
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ جملة فعلية في موضع نصب على الحال من اسم الله، ويحتمل أن يكون مستأنفا لا موضع له من الإعراب.
البلاغة:
الْحَمْدُ لِلَّهِ تعريف الطرفين لإفادة الحصر، أي لا يستحق الحمد الكامل إلا الله.
يَلِجُ يَخْرُجُ يَنْزِلُ يَعْرُجُ بين كل منهما طباق.
وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ صيغة فعيل وفعول للمبالغة.
المفردات اللغوية:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الْحَمْدُ هو الثناء على الله بما هو أهله، أو الثناء على الله بجميل صفاته

صفحة رقم 133

وأفعاله لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا ونعمة. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ لله الحمد في الدنيا لكمال قدرته وتمام نعمته، وله أيضا حمد عباده في الدار الآخرة إذا دخلوا الجنة، للسبب السابق ذاته وَهُوَ الْحَكِيمُ في فعله وهو الذي أحكم أمر الدارين ودبره بمقتضى الحكمة الْخَبِيرُ بخلقه في الدارين، وهو الذي يعلم بواطن الأمور.
يَلِجُ فِي الْأَرْضِ يدخل فيها كالماء ينفذ في موضع وينبع في آخر، وكالكنوز والدفائن والأموات وَما يَخْرُجُ مِنْها كالزروع والنباتات والحيوان والفلزات وماء العيون وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ من الأمطار والثلوج والبرد والصواعق والأرزاق والملائكة والكتب والمقادير وَما يَعْرُجُ فِيها يصعد فيها من أعمال العباد وغيرها من الملائكة والأبخرة والأدخنة الرَّحِيمُ بعباده الْغَفُورُ لذنوبهم.
التفسير والبيان:
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أي إن الحمد المطلق الكامل لله مالك السموات والأرض وما فيهما، والمتصرف بشؤونهما، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وحمده على النعم التي أنعم بها على خلقه، والمعنى: إن المستحق للحمد والثناء والشكر هو الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ملكا وخلقا وتصرفا بما يشاء، فهو صاحب القدرة الكاملة، والنعمة التامة.
وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ أي لله الحمد في الآخرة كالحمد في الدنيا لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة، كما قال في آية أخرى: وَهُوَ اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولى وَالْآخِرَةِ، وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص ٢٨/ ٧٠]. وقال تعالى في حكاية حمد أهل الجنة: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ، وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ [الزمر ٣٩/ ٧٤]. الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ، إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ. الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ [فاطر ٣٥/ ٣٤- ٣٥].
وإذا كان هو المحمود على طول المدى، فهو المعبود أبدا.

صفحة رقم 134

وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ أي والله هو الحكيم في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، يدبر شؤون خلقه على مقتضى الحكمة، والخبير ببواطن الأمور، الذي لا تخفى عليه خافية، ولا يغيب عنه شيء. قال مالك: خبير بخلقه حكيم بأمره.
يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها أي يعلم ما يدخل في الأرض كالغيث الذي ينفذ في موضع وينبع في آخر، وكالكنوز والدفائن والأموات، ويعلم ما يخرج من الأرض، كالحيوان والنبات والماء والفلزّات.
وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها أي ما ينزل من السماء كالملائكة والكتب والأرزاق والأمطار والصواعق، وما يعرج فيها كالملائكة وأعمال العباد والغازات والأدخنة ووسائل النقل الجوي والطيور.
وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ أي والله هو الرحيم بعباده، فلا يعاجل عصيانهم بالعقوبة، الغفور لذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- الله تعالى هو المستحق لجميع المحامد والحمد: الشكر على النعمة، ويكون الثناء على الله بما هو أهله، فالحمد الكامل والثناء الشامل كله لله إذ النعم كلها منه، وهو مالك السموات والأرض وخالقهما والمتصرف فيهما بالإيجاد والإعدام، والإحياء والإماتة.
٢- الله تعالى هو المحمود في الدنيا والآخرة لأنه المالك للأولى والثانية، وهو الحكيم في فعله، الخبير بأمر خلقه.
٣- الله عالم بكل شيء من الظواهر والخوافي، يعلم ما يدخل في الأرض من قطر وغيره من الكنوز والدفائن والأموات، ويعلم ما يخرج منها من نبات

صفحة رقم 135

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية