ثم بين١ أن هذه النعمة التي يستحق الله بها الحمد هي نعمة الآخرة أنكرها قَوْمٌ فقال : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة . قوله :«بَلَى » جواب لقولهم٢ :«لاَ تَأتينَا » وما بعدها قسمٌ على ذلك. وقرأ العامة : لتأتِيَنَّكُمْ بالتأنيث، وقرأ ( طَلْقٌ )٣ بالياء٤ فقيل :( أي )٥ البعث. وقيل : على معنى الساعة أي اليوم. قاله الزمخشري٦ ورده أبو حيان٧ بأنه ضرورة كقوله :
٤١٠١-. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وَلاَ أرْضَ أبْقَلَ إبْقَالَهَا٨
وليس مثله، وقيل :( أي )٩ الله بمعنى أمره. ويجوز على قياس هذا الوجه أن يكون :«عالم » فاعلاً لِتَأتِيَنَّكُمْ في قراءة مَنْ رفعه.
قوله :«عَالِمُ » قرأ الأخَوانِ : عَلاَّم على صيغة المبالغة وخفضه نعتاً ل «ربِّي١٠ » أو بدلاً منه. وهو قليل ؛ لكونه مشتقاً. ونافعُ وابْنُ عَامرٍ عالمٌ بالرفع١١ على هُوَ عالم، أو على أنه مبتدأ وخبره «لاَ يَعْزُبُ١٢ » أو على أن خبره مضمر أي هو ذكره الحَوفيّ١٣. وفيه بعد١٤، والباقون عالم بالخفض على ما تقدم وإذا جعل نعتاً فلا بدّ من تقدير تعريفه. وقد تقدم أن كل صفة يجوز أن تتعرف بالإضافة إلى الصفة المشبهة، وتقدمت قراءتا «يَعْزُب » في يُونُسِ١٥.
فصل
اعلم أن الله تعالى ردَّ على مُنْكِري الساعة فقال : قُلْ بلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ فأخبر بإتيانها وأكدها باليمين.
فإن قيل : إنهم يقولون لا ريب أو إن كانوا يقولون به لكن المسألة الأصولية لا تثبت باليمين
فأجاب عن هذا بأنه لم يقتصر على اليمين بل ذكر الدليل وهو قوله : لِّيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات . وبيان كونه دليلاً هو أن المسيء قد يبقى في الدنيا مدة مديدة في اللذات العاجلة ويموت عليها والمحسن قد يدوم في الدنيا في الآلام الشديدة ويموت فيها فلولا دار تكون للجزاء لكان الأمر على خلاف الحكمة١.
قوله : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض فيه لطيفة وهي أن الإنسان له جسم وروح، فالأجسام أجزاؤها في الأرض والأرواح في السماء فقوله : لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات إشارة إلى علمه بالأرواح، وقوله : وَلاَ فِي الأرض إشارة إلى علمه بالأجسام فإذا علم الروح والأجسام قدر على جمعها فلا استبعاد في٢ الإعادة.
قوله :«وَلاَ أَصْغَرُ » العامة على رفع «أصْغَر وأَكْبَر » وفيه وجهان :
أحدهما : الابتداء، والخبر قوله «إلاَّ فِي كِتَابٍ ».
والثاني : النَّسَق على «مِثْقَالِ » وعلى هذا فيكون :«إلاَّ فِي كِتَابٍ » تأكيداً للنفي في :«لاَ يَعْزُبُ » كأنه قال لكنه في كتاب مبين٣. وقرأ قتادة والأعمش ورويت عن أبي عمرو ونافع أيضاً بفتح الراءين٤. وفيها وجهان :
أحدهما : أنها «لا » التبرئة وبني اسمها معها، والخبر قوله :«إلاَّ فِي كِتَابٍ٥ ».
والثاني : النسق على «ذَرَّةٍ٦ » وتقدم في يونس أن حمزة قرأ بفتح رَاءِ «أَصْغَر وأَكْبَر »٧ وهنا وافق على الرفع وتقدم البحث هناك.
قال الزمخشري : فإن قلتَ : هَلاَّ جَازَ عطفُ :«وَلاَ أصْغَر » على «مِثْقَالِ » وعطف «وَلاَ أَكْبَر » على ذرة ؟
قُلْتُ : يأبى ذلك حرف الاستثناء إلا إذا جعلت الضمير في «عنه » للغيب وجعلت الغيب اسماً للخفيات قبل أن تكتب في اللوح المحفوظ لأن إثباتها في اللوح نوع من البُرُوزِ عن الحجاب على معنى أنه لا ينفصل عن الغيب شيء ولا يُزَال عنه إلا مسطوراً في اللوح٨.
قال أبو حيان : ولاَ يُحْتَاج إلى هذا التأويلٍ إذ جعلنا الكتاب ليس اللوح المحفوظ٩، وقرأ زيد بن علي بخفض راء أصغر وأكبر١٠ وهي مشكلة جداً، وخرجت على أنهما في نية الإضافة، إذ الأصل :«ولا أصغره ولا أكبره » وما لا ينصرف إذا أضيف انجر في موضع الجر ثم حذف المضاف إليه ونوي معناه فترك المضاف بحاله١١ وله نظائر كقولهم :
٤١٠٢- بَيْنَ ذِرَاعِيْ وَجَبْهَةِ الأَسَدِ١٢. . .
٤١٠٣- يَا تَيْمَ تَيْم عَدِيِّ١٣. . .
على خلاف١٤. وقد يفرق بأن هناك ما يدل على المحذوف لفظاً بخلافِ هنا.
وقد ردّ بعضهم هذا التخريج لوجود «من » ؛ لأنَّ «أفعل » متى أضيف لم يجامع «مِنْ » وأجيب عن ذلك بوجهين :
أحدهما : أن ( مِنْ ) ليست متعلقة «بأفعل » بل بمحذوف على سبيل البيان ؛ لأنه لما حذف المضاف إليه أبهم المضاف فبين «بمن » ومجرورها أي أعني من ذلك.
والثاني : أنه مع تقديره للمضاف إليه نوي طرحه، فلذلك أتى «بِمن١٥ » ويدل على ذلك أنه قد ورد التصريح بالإضافة مع وجود «من » قال الشاعر :
٤١٠٤- نَحْنُ بِغَرْسِ الوَدِيِّ أعْلَمُنَا. . . مِنَّا بِرَكْضِ الجِيادِ في السُّدَفِ١٦
وخرج على هذين الوجهين إما التعلق بمحذوف وإما نية طرح المضاف إليه وهذا كما احتاجوا إلى تأويل الجمع بين «أل » ومن في أفعل كقوله :
٤١٠٥- ولَسْتُ بالأكْثَرِ مِنْهُمْ حَصَى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ١٧. . . .
وهذه توجيهات شذوذ ويكفي فيها مثل ذلك.
فصل١٨
قوله : وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ إشارة إلى أن مثقال لم يذكر للتحديد بل الأصغر منه لا يعزب.
فإن قيل : فأيُّ حاجة إلى ذكر الأكبر وإنَّ من علم الأصغر من الذرة لا بدّ وأن يعلم الأكبر ؟
فالجواب : لما كان الله تعالى أراد بيان إثبات الأمور في الكتاب فلو اقتصر على الأصغر لتوهم متوهمٌ أنه يثبت الصغائر لكونها محل النّسيان وأما الأكبر فلا ينسى فلا حاجة إلى إثباته فقال الإثبات في الكبائر ليس كذلك فإن الأكبر فيه أيضاً مكتوب ثم لما بين علمه بالصغائر والكبائر ذكر أن جميع ذلك وإثباته للجزاء فقال : لِّيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات١٩ .
٢ في "ب" لقوله..
٣ سقط من "ب" ولم أعثر على ترجمة له..
٤ ذكرها ابن خالويه في المختصر ١٢١ وابن جني في المحتسب ٢/١٨٦ "هارون عن طليق"..
٥ سقط من "ب"..
٦ قاله الزمخشري في الكشاف ٣/٢٧٩..
٧ البحر المحيط ٧/٢٥٧ قال: "ويبعد أن يكون ضمير الساعة لأنه مذهوب به مذهب التذكير لا يكون إلا في الشعر"..
٨ عجز بيت من المتقارب صدره:
فلا مزنة ودقت ودقها .................................
وهو لعامر بن جوين وشاهده: "أبقل إبقالها" حيث ذكر الفعل "أبقل" الذي يعود على الأرض المؤنثة وهذا خاص بالشعر وضرورته. وقد تقدم..
٩ سقط من "ب"..
١٠ في "ب" لرب بدون ياء..
١١ القراءتان سبعيتان وانظر الإتحاف ٣٥٧ والسبعة ٥٢٦ ومعاني الفراء ٢/٣٥١ وإبراز المعاني ٦٥١ والنشر ٢/٣٤٩ وتقريبه ١٦٢ وحجة ابن خالويه ٢٩١..
١٢ قاله السمين ومكي في الدر ٤/٤٠٨ ومكي في الكشف ٢/٢٠١..
١٣ البحر المحيط ٧/٢٥٧ و ٢٥٨..
١٤ ففيه لجوء إلى التكلف وما يحتاج إلى تقدير لا يقدم على الذي لا يحتاج على تقدير..
١٥ عامة القراء بضم الزاي إلا الكسائي فإنه يكسرها حيث يقع والفراء فضل الكسر حيث قال وهو أحب إلي. وقد قال هناك في يونس يقرأ الكسائي هنا وفي سبأ: "يعزب" بكسر الزاي ويعزب لغتان وانظر: الإتحاف ٣٥٧ والسبعة ٣٢٨ ومعاني الفراء ٢/٣٥١ واللباب ٤/٤٣ ب..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود