وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لاَ تَأْتِينَا الساعة المراد بهؤلاء القائلين جنس الكفرة على الإطلاق، أو كفار مكة على الخصوص، ومعنى لا تأتينا الساعة : أنها لا تأتي بحال من الأحوال، إنكاراً منهم لوجودها لا لمجرد إتيانها في حال تكلمهم، أو في حال حياتهم مع تحقق وجودها فيما بعد، فردّ الله عليهم، وأمر رسوله أن يقول لهم : قُلْ بلى وَرَبّى لَتَأْتِيَنَّكُمْ وهذا القسم لتأكيد الإتيان، قرأ الجمهور : لتأتينكم بالفوقية، أي الساعة، وقرأ طلق المعلم بالتحتية على تأويل الساعة باليوم أو الوقت.
قال طلق : سمعت أشياخنا يقرءون بالياء : يعني التحتية على المعنى، كأنه قال : ليأتينكم البعث، أو أمره كما قال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمُ الملائكة أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ [ النحل : ٣٣ ]. قرأ نافع، وابن عامر : عالم الغيب بالرفع على أنه مبتدأ، وخبره : لا يعزب ، أو على تقدير مبتدأ، وقرأ عاصم وابن كثير وأبو عمرو بالجرّ على أنه نعت لربي، وقرأ حمزة والكسائي ( علام ) بالجرّ مع صيغة المبالغة، ومعنى لاَ يَعْزُبُ لا يغيب عنه، ولا يستتر عليه، ولا يبعد عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ في السموات وَلاَ في الأرض وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ المثقال وَلا أَكْبَرَ منه إِلاَّ في كتاب مُّبِينٍ ، وهو : اللوح المحفوظ. والمعنى : إلاّ وهو مثبت في اللوح المحفوظ الذي اشتمل على معلومات الله سبحانه، فهو مؤكد لنفي العزوب. قرأ الجمهور : يعزب بضم الزاي، وقرأ يحيى بن وثاب بكسرها. قال الفراء : والكسر أحبّ إليّ، وهما لغتان، يقال : عزب يعزب بالضم، ويعزب بالكسر إذا بعد وغاب. وقرأ الجمهور : ولا أصغر ، ولا أكبر بالرفع على الابتداء، والخبر إلاّ في كتاب ، أو على العطف على مثقال ، وقرأ قتادة، والأعمش بنصبهما عطفاً على ذرّة ، أو على أن لا هي لا التبرئة التي يبنى اسمها على الفتح.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : يعني المؤمنين من أهل الكتاب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ قال : قال ذلك مشركو قريش إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يقول : إذا أكلتكم الأرض وصرتم رفاتاً وعظاماً، وتقطعتكم السباع والطير إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ إنكم ستحيون وتبعثون، قالوا ذلك تكذيباً به أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ قال : قالوا إما أن يكون يكذب على الله، وإما أن يكون مجنوناً أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض قالوا : إنك إن نظرت عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك رأيت السماء والأرض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض كما خسفنا بمن كان قبلهم أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السماء أي قطعاً من السماء إن يشأ أن يعذب بسمائه فعل، وإن يشأ أن يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه له جند إِنَّ في ذَلِكَ لأَيَةً لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ قال : تائب مقبل إلى الله.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني