ﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة إنكار لمجيئها معطوف على جملة مقدرة مفهومة من قوله تعالى : وله الحمد في الآخرة وهو الرحيم الغفور فإنه يفهم منه وعد الله بالرحمة والمغفرة للحامدين يوم تأتي الساعة قل بلى رد لكلامهم وإثبات لما نفوه وربي لتأتينكم تكريره لإيجابه مؤكدا بالقسم وبتوصيف المقسم به بقوله عالم الغيب فإن عظم المقسم به تؤذن بقوة حال المقسم وفيه إشارة إلى أن الساعة من الغيب وعلمه مختص بالله تعالى يكفي لإثباته شهادة تعالى ولا يجوز لأحد إثبات شيء من الغيب ولا نفيه إلا بتعليم من الله تعالى قرأ حمزة والكسائي علام الغيب على وزن فعال للمبالغة والباقون على وزن فاعل وقرأ نافع وابن عامر بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو مبتدأ خبره ما بعده والباقون بالجر على أنه صفة للرب ففيه تأكيد للرد على إنكارهم فإن إنكارهم ليس إلا مبنيا على جهلهم واستبعادهم ممكنا مثل سائر الممكنات ثابتا ومعناهما واحد أي لا يغيب عنه مثقال أي مقدار ثقل ذرة أي نملة صغيرة كائنة في السماوات ولا في الأرض موجهة في شيء من الأزمنة الماضية أو المستقبلة أو الحال والقول بأن المعنى لا يعزب عنه مثقال ذرة موجودة في الزمان الحال كائنة في السماوات أو الأرض يأباه المقام لأن الجملة تأكيدا لقوله.
عالم الغيب بيانا لشمول علمه جميع الكائنات ماضيا كان أو مستقبلا حتى يكون مؤكدا للإخبار بإتيان الساعة وأيضا حضور جميع الأشياء الموجودة في الحال بكسر لبعض من الخلائق كما ذكرنا في سورة الأنعام في تفسير قوله تعالى : توفته رسلنا ١ إنه قيل يا رسول الله ملك الموت واحد والزحفان يلتقيان من المشرق والمغرب وما بين ذلك من السقط والهلاك أنه حوى الدنيا الملك حتى جعلها كالطست بين يدي فهل يفوته منها شيء فالظاهر من هذه الآية أن الأزمنة كلها وما فيها من الزمانيات الماضية والمستقبلة حاضرة عند الله سبحانه وهو خارج عن الزمان كما أن الأمكنة والمكانيات حاضرة عنده تعالى وهو خارج عن المكان لا يجري عليه زمان كما لا يحويه مكان فالزمان مخلوق له تعالى حدوثا ذاتيا كما أن المكان مخلوق له فالماضي والمستقبل بالنسبة إليه سواء كما أن الأمكنة كلها بالإضافة إليه سواء. وقد نبه على ذلك بعض الأكابر من علماء الظاهر قال الجلال الدواني رحمة الله عليه في رسالته الزوداء إذا اعتبرت الامتداد الزماني الذي هو محل التغيير والتبديل وعرض الحوادث الكونية بما يقارنه من الحوادث جملة واحدة وجدته شأنا من شؤون العلة الأولى محيطا لجميع الشؤون المتعاقبة ثم إن أمعنت النظر وجدت التعاقب باعتبار حضور حدود ذلك الامتداد وغيبوبتها بالنسبة إلى الزمانيات الواقعة تحت حيطته وأما المراتب العالية عليها فلا تعاقب بالنسبة إليها بل الجميع متساوية بالنسبة إليها متحاذية في الحضور لذاتها فما ظنك ما على شواهق العوالي ليس عند ربك صباح ولامساء تنبيه إذا أخذت امتداد مختلف الأجزاء في اللون كخشب اختلف اللون في أجزائه ثم أمررته في محاذاة ذرة أو غيرها مما يضيق حدقته عن الإحاطة بجميع ذلك الامتدادات ليس تلك الألوان المختلفة متعاقبة في الحضور لديها لضيق حدقتها متقاربة في الحضور لديك لقوة إحاطتك فاعتبروا يا أولي الأبصار ٢ وانتهى كلامه.
فائدة :
وقد يأتي على بعض الأكابر حالة يخرج فيه من حيز الزمان فيرى الماضي أو المستقبل موجودا عنده ويشهد عليه ما رواه الشيخان في الصحيحين عن عبد الله بن عباس قال : انخسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس فقام قياما طويلا فذكر الحديث بطوله حتى قال قالوا يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت ؟ فقال :" إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا ورأيت النار فلم أر كاليوم منظرا قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء " ٣ الحديث ولا شك أن دخول النساء في النار لا يكون إلا بعد القيامة وقد رآه النبي صلى الله عليه وسلم موجودا لا يقال لعل النبي صلى الله عليه وسلم رأى صورة النار والجنة في عالم المثال مثل ما يرى النائم في المنام لأن قوله :" لو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا " صريح في أنه صلى الله عليه وسلم رأى حقيقة الجنة والنار دون مثالهما وروى مسلم عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" رأيت الجنة فرأيت امرأة أبي طلحة وسمعت خشخشة أمامي فإذا بلال " ٤ وما روى أحمد وأبو داود والضياء عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لما عرج بي ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبرئيل ؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم " ٥ وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عرضت علي النار فرأيت فيها امرأة من بني إسرائيل تعذب في هرة ربطتها فلم تطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض حتى ماتت جوعا ورأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبة في النار وكان أول من سيب السوائب " ٦ رواه مسلم.
وقال أكثر المفسرين معنى قوله تعالى : لا يعزب عنه أي علمه مثقال ذرة ولا أصغر من ذلك أي من ذرة ولا أكبر منه إلا في كتاب مبين جملة مؤكدة لنفي العزوب إن كان المراد بالعزوب العزوب عن علمه أو المراد بالكتاب المبين علمه تعالى أو اللوح المحفوظ الذي حاك عن بعض من علومه وإن كان المراد عدم عزوب شيء من ذاته سبحانه فهذا تأسيس لا تأكيد وأصغر وأكبر مرفوعان بالابتداء ويؤيده القراءة بالفتح على إعمال لا التي لنفي الجنس ولا يجوز العطف مرفوعا على مثقال ومفتوحا على ذرة في محل الجر لامتناعها من الصرف لأن الاستثناء عنه هو لا يجوز أن يكون الاستثناء منقطعا بمعنى لكن لان الإستدراك والإستثناء المنقطع بعد النفي يكون إثباتا فيكون المعنى لا يعزب مثقال ذرة ولا أصغر منه ولا أكبر ولكن يعزب في كتاب مبين وهذا فاسد قال البيضاوي اللهم إذا جعل الضمير يعزب للغيهب وجعل المثبت في اللوح خارجا عنه لظهوره على المطالعين له فيكون المعنى لا ينفصل عن الغيب إلا مسطورا في اللوح وهذا التوجيه ضعيف كما يشعر به كلام البيضاوي لان كونه في اللوح لا يخرجه عن الغيب والكلام في شمول علمه تعالى ولا مساس لهذا التوجيه بالمدعى على أنه ورد في سورة يونس بلفظ وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا اصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ٧ ولا يتأتى هذا التوجيه هناك وقيل هذا على طريقة المدح بما يشبه الذم كما في قوله تعالى : وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا ٨ بالله كقولك في زيد لا عيب إلا أنه عالم يعني لا عيب فيه أصلا والمعنى لا يعزب عنه مثقال ذرة إلا في كتاب مبين حكمه فكيف يغب عنه.

١ سورة الأنعام الآية: ٦١..
٢ سورة الحشر الآية: ٢.
.

٣ أخرجه البخاري في كتاب: النكاح باب: كفران العشير وهو الزوج وهو الخليط من المعاشرة (٥١٩٧) وأخرجه مسلم في كتاب: الكسوف باب: ما عرض على النبي.
٤ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة باب: من فضائل أم سليم أم أنس بن مالك وبلال رضي الله عنهما (٢٤٥٧)..
٥ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب باب: في الغيبة (٤٨٧٠)..
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الكسوف باب: صلاة الكسوف (٩٠١)..
٧ سورة يونس الآية: ٦١..
٨ سورة البروج الآية: ٨.
.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير