ثم ذكر فريق الكافرين الذين يعاقبون عند إتيان الساعة فقال : والذين سَعَوْاْ في ءاياتنا معاجزين أي سعوا في إبطال آياتنا المنزلة على الرسل، وقدحوا فيها، وصدّوا الناس عنها، ومعنى معاجزين : مسابقين يحسبون، أنهم يفوتوننا، ولا يدركون، وذلك باعتقادهم أنهم لا يبعثون، يقال : عاجزه، وأعجزه : إذا غالبه، وسبقه. قرأ الجمهور معاجزين ، وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، وحميد، ومجاهد، وأبو عمرو :" معجزين " أي مثبطين للناس عن الإيمان بالآيات أولئك أي الذين سعوا لَهُمْ عَذَابٌ مّن رّجْزٍ الرجز هو العذاب، فمن للبيان، وقيل : الرجز هو : أسوأ العذاب، وأشدّه، والأوّل أولى. ومن ذلك قوله : فَأَنزَلْنَا عَلَى الذين ظَلَمُواْ رِجْزًا مّنَ السماء [ البقرة : ٥٩ ]. قرأ الجمهور : أَلِيمٌ بالجرّ صفة لرجز. وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم بالرفع صفة لعذاب، والأليم الشديد الألم.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك في الآية قال : يعني المؤمنين من أهل الكتاب. وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله : وَقَالَ الذين كَفَرُواْ هَلْ نَدُلُّكُمْ على رَجُلٍ قال : قال ذلك مشركو قريش إِذَا مُزّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ يقول : إذا أكلتكم الأرض وصرتم رفاتاً وعظاماً، وتقطعتكم السباع والطير إِنَّكُمْ لَفِى خَلْقٍ جَدِيدٍ إنكم ستحيون وتبعثون، قالوا ذلك تكذيباً به أفترى عَلَى الله كَذِباً أَم بِهِ جِنَّةٌ قال : قالوا إما أن يكون يكذب على الله، وإما أن يكون مجنوناً أَفَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مّنَ السماء والأرض قالوا : إنك إن نظرت عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك، ومن خلفك رأيت السماء والأرض إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأرض كما خسفنا بمن كان قبلهم أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السماء أي قطعاً من السماء إن يشأ أن يعذب بسمائه فعل، وإن يشأ أن يعذب بأرضه فعل، وكل خلقه له جند إِنَّ في ذَلِكَ لأَيَةً لّكُلّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ قال : تائب مقبل إلى الله.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني