ونحو هذا قول الكلبي وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ يقول: الرجعة إلى الدنيا، مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ بعد الموت (١). وقال عطية: وأني لهم الرد حين لا رد، والتوبة حين لا توبة (٢).
وقال مقاتل: من أين لهم التوبة حين لا توبة [وقال مقاتل: من أين لهم التوبة] (٣) عند نزول العذاب (٤). مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ من الدنيا، وهذا كله معنى. وتفسير التناوش ما ذكره أصحاب المعاني.
٥٣ - وقوله: وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ واو الحال، أي: كيف يبلغون إلى التوبة وقد كانوا كافرين بمحمد والقرآن في الدنيا قبل نزول العذاب وقبل ما عاينوا من الأهوال.
وقوله: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ قال مجاهد: يرمون محمدً بالظن [لا باليقين] (٥)، وهو قولهم: إنه ساحر وكاهن وشاعر (٦). واختار الفراء هذا القول فقال: يقولون ليس بنبي، وقد باعدهم الله أن يعلموا ذلك؛ لأنه لا علم لهم إنما يقولون بالظن (٧). فعلى هذا الغيب الظن، وهو ما غاب علمه عنهم، والمكان البعيد: بعدهم عن علم ما يقولون.
(٢) لم أقف عليه
(٣) ما بين المعقوفين زيادة في (أ)، وليس هو في (ب).
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ١٠١ ب.
(٥) ما بين المعقوفين ساقط من (ب)
(٦) انظر: "تفسير مجاهد" ٥٢٩، وانظر: "الطبري" ٢٢/ ١١٢.
(٧) انظر: "معاني القرآن" ٢/ ٣٦٥.
المكان الذي تقبل فيه الأعمال.
٥٣ - وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ أي: بمحمد، يقول: كيف ينفعهم الإيمان (١) وقد كفروا به في الدنيا. وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ أي: بالظن أن التوبة تنفعهم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ أي: بعيد من موضع يقبل فيه التوبة. وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ الأمم الخالية) (٢).
وهذا الذي ذكره ابن قتيبة في قوله: وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ غير ما قدمناه، قال: (وكان بعض المفسرين يحمل الفزع عند نزول بأس الله من الموت أو غيره، وتعبيره بقوله: فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [غافر: ٨٤] إلى آخر السورة) (٣). وهذا مذهب مقاتل، قال: هذا عند نزول العذاب بهم في الدنيا (٤).
وقال الضحاك وزيد بن أسلم: هذا الفزع وما ذكر كله هو يوم بدر، إذ نزل بهم العذاب وشدة الموت قالوا: آمنا به، ولم ينفعهم ذلك (٥).
٥٤ - وقوله: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ قال ابن عباس: يعني الرجعة إلى الدنيا (٦).
وقال الحسن: يعني الإيمان. وهو قول سفيان (٧).
(٢) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣٣٠ - ٣٣١.
(٣) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣٣١.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ١٠١/ ب
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ٢٢/ ١٠٧، "القرطبي" ١٤/ ٣١٤، "زاد المسير" ٦/ ٤٦٧.
(٦) انظر: "تفسير ابن عباس" بهامش المصحف ص ٤٣٤، "الوسيط" ٣/ ٤٩٩، "زاد المسير" ٦/ ٤٧٠.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" ٢٢/ ١١٢، "تفسير الماوردي" ٤/ ٤٦٠، "معاني القرآن" للنحاس ٥/ ٤٣١.
وقال مجاهد: وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ من مال وولد (١).
وقال مقاتل: يعني من أن تقبل التوبة منهم (٢).
وقوله: كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ، قال ابن عباس: بنظرائهم (٣). قال مجاهد: الكفار من قبلهم (٤).
وقال الزجاج: أي بمن كان مذهبه مذهبهم (٥)
قال أبو عبيدة: شيعة وشيع وأشياع (٦). وهذا مما تقدم القول فيه (٧). وقوله: مِنْ قَبْلُ قال مقاتل: من قبل هؤلاء (٨).
إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ قال: من العذاب أنه نازل بهم.
قال الكلبي: في شك مما نزل بهم (٩). والكناية في إِنَّهُمْ تعود إلى الكفار الذين أخبر عنهم في قوله: وَحِيلَ بَيْنَهُمْ لا إلى الأشياع. مُرِيبٍ موقع لهم الريبة والتهمة.
(٢) ليس هو في تفسيره، ولم أقف على هذا القول منسوبًا إليه.
(٣) لم أقف عليه عن ابن عباس، وقد ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" ٦/ ٤٧١ نحو هذا القول عن الزجاج.
(٤) انظر: "تفسير مجاهد" ص ٥٢٩.
(٥) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٥٩.
(٦) "مجاز القرآن" ٢/ ١٥١.
(٧) عند تفسير قوله: أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا [الأنعام: الآية ٦٥].
(٨) ليس في تفسيره، ولم أقف على هذا القول منسوبًا له، وأورده ابن الجوزي في "زاد المسير" ٦/ ٤٧١، ونسبه للمفسرين.
(٩) لم أقف عليه عد الكلبي. وانظر: "تفسير هود" ٣/ ٤٠٧ "زاد المسير" ٦/ ٤٧١.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي