(ولو رفعت الحق على أن تجعل هو اسما كان صوابًا، أنشد الكسائي:
| ليت الشباب هو الرجيع (١) على الفتى | والشيب كان هو البديء الأول (٢) |
قوله: وَيَهْدِي معناه: الهادي، ولفظ المستقبل كثيرًا ما يراد به لفظ الحال، يقول: تعلمون الحق القرآن الحق الهادي. إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ قال مقاتل: ويدعو إلى دين العزيز في ملكه، الحميد عند خلقه في سلطانه (٤).
وقال الكلبي: يعني المنيع بالنعمة ممن لم يجب الرسل، المحمود في أفعاله (٥).
٧ - قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني: منكري البعث. قال أبو إسحاق: (هذا قول المشركين الذين لا يؤمنون بالبعث، قال بعضهم لبعض: هل ندلكم على محمد الذي يزعم أنكم تبعثون بعد أن تكونوا عظامًا ورفاتًا وترابًا) (٦). وهذا الذي ذكره موافق لما قاله المفسرون (٧).
(٢) البيت من الكامل، لم أهتد إلى قائله، وهو في: "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٥٢، "الزاهر" ٢/ ٢٢٤، "الدر المصون" ٦/ ٤٣، "الجنى الداني" ص ٤٩٣ بلا نسبة.
(٣) "معاني القرآن" ٢/ ٣٥٢، وقوله: فرفع ونصب، يعني رفع في كان، ونصب في ليت، فالمرفوع هو البديء، والمنصوب الشباب.
(٤) انظر: "تفسير مقاتل" ٩٧ أ.
(٥) لم أقف عليه.
(٦) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٤١.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" ٢٢/ ٦٠، "تفسير الماوردي" ٤/ ٤٣٤، "مجمع البيان" ٨/ ٥٩٣، "بحر العلوم" ٣/ ٦٦
ومعنى: إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ (١) إذا صار (٢) قطعًا باليًا، قال: فرقتم كل تفريق وقطعتم كل تقطيع، والمزف خرف الأشياء، والتمزيق تفعيل منه، يقال: ثوب مزيق ممزوق متمزق ممزق إذا صار قطعًا باليًا (٣).
قال ابن عباس: يريد إذا متم وبليتم (٤).
وقال مقاتل: إذا تفرقتم في الأرض وذهبت الجلود والعظام وكنتم ترابًا، وهذا من قول أبي سفيان يقوله لكفار مكة (٥).
قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية نظير في العربية لطيف، ونحن نشرحه إن شاء الله. إِذَا في موضع نصب بمزقتم، ولا يجوز أن يعمل فيها جديد؛ لأن ما بعد أن لا يعمل فيما قبلها، والتأويل: هل ندلكم على رجل يقول لكم إذا مزقتم تبعثون، ويكون إذا بمنزلة إن الجزاء يعمل فيها الذي يليها. قال قيس بن الخطيم:
| إذا قصرت أسيافنا كان وصلها | خطانا إلى أعدائنا فنضارب |
(٢) هكذا في النسخ! ولعل الصواب: إذا صرتم.
(٣) انظر: "تهذيب اللغة" (مزق)، "اللسان" ١٠/ ٣٤٢ (مزق).
(٤) لم أقف عليه عن ابن عباس. انظر: "تفسير الماوردي" ٤/ ٤٣٤، "مجمع البيان" ٨/ ٥٩٣، "زاد المسير" ٦/ ٤٣٤.
(٥) انظر: "تفسير مقاتل" ٩٧ أ.
بعثتم، كما قال: أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ [المؤمنون: ٨٢، الصافات: ١٦] كأنهم قالوا: أئذا متنا وكنا ترابًا نحاسب ونعذب! قال: ويجوز إنكم لفي خلق جديد؛ لأن اللام إذا جاءت لم يجز [كسر] (١) إن، انتهى كلامه (٢).
قال أبو علي الفارسي: (يسأل في هذه الآية عن موضع إذا، وبأي الأفعال يحكم على موضعه، وفي الآية مما يمكن أن ينتصب به الظروف ثلاثة أشياء: قوله: يُنَبِّئُكُمْ، وقوله: مُزِّقْتُمْ، وقوله: خَلْقٍ جَدِيد، فلا يجوز أن يكون موضع إذا نصبًا بقوله: يُنَبِّئُكُمْ؛ لأن إذا لا يجوز أن تكون ظرفًا لهذا الفعل؛ لأن التنبؤ إنما تقع مثل (٣) الموت وأن يمزقوا بعد الموت، فامتنع أن ينتصب إذا به، وحمل ينبئكم على أنه بمعنى القول؛ لأنه ضرب منه.
فأما قوله: إِذَا مُزِّقْتُمْ فإن جعل موضع إذا نصبا به لزم أن يحكم على موضعه بالجزم (٤)؛ لأن إذا هذه لا يجوز أن تنتصب به حتى يقدر جزم الفعل الذي هو الشرط [بها] (٥) بما لا يسوغ أن يحمل عليه الكتاب؛ لأنه إنما يجزم بها في ضرورة الشعر، وإذا لم يجر (٦) بها أضيف إلى الفعل،
(٢) انظر: "معاني القرآن وإعرابه" ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٣) هكذا في النسخ! وهو خطأ، والصواب: "قبل".
(٤) في (ب): (لزم أن يحكم عليه بالجزم).
(٥) "بها" ساقطة من (ب)، "وبما" ساقطة من (أ).
(٦) هنا سقط في النقل عن أبي علي، فكلام أبي على كما في "المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات" ص ٢١٤، جاء هكذا: "إنما يجزم بها في ضرورة الشعر، =
والمضاف إليه لا يعمل في الضاف ولا فيما قبله، وموضع الفعل الواقع بعد إذا خفض، وكما لا يعمل (١) المضاف إليه فيما قبله كذلك لا يجوز أن يكون موضع إذا نصبا بمزقتم إذا كانت قبلها وحتى مضافة إليها.
ولو قلت: زيدًا غلام ضارب عندك لم يجز، وكذلك سائر ما يتعلق بالمضاف إليه لا يجوز أن يتقدمه. ومما يدل على أن موضع الفعل بعد إذا خفض الإضافة ارتفاع الفعل المضارع بعدها، نحو: إذا يجيء زيد أكرمه، والفعل المضارع ليس يرتفع حتى يقع موقع اسم مرفوع أو مجرور أو منصوب، وهذا علة ارتفاعه، وإنما ارتفع بعد إذا لوقوعه موقع اسم مجرور، ولا يجوز أن يكون موضع إذا نصب بقوله جديد على تقدير: إنكم لفي خلق جديد إذا مزقتم؛ لأن إذا قبل إن، وما قبل أن لا يجوز أن يعمل فيه ما بعدها، لا يجوز: طعامك إن زيدًا أكل؛ لأن إن للابتداء فهو منقطع عما قبله، وإذا امتنع هذه الوجوه فالناصب لـ (إذا) مضمر يدل عليه قوله: إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ كأنه في التقدير: ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق بعثتم أو نشرتم أو ما أشبه هذا من الأفعال التي يكون قوله: إنكم لفي خلق جديد دالًا عليه ومفسرًا له. وإن قدر هذا الفعل قبل إذا كان سابقًا، فيكون ينبئكم يقول لكم تبعثون إذا مزقتم كل ممزق. قال: وقد أجاز شيخ لنا -يعني: السراج- (٢) أن يكون
(١) في (أ): (يفعل).
(٢) هو: أبو محمد جعفر بن محمد بن الحسين بن أحمد البغدادي السراج القارئ، أديب عالم بالقراءات والنحو واللغة، ولد سنة ٤١٧ هـ. وقيل: ٤١٩ له مؤلفات منها: "مصارع العشاق،" و"مناقب الحبش"، ونظم كتاب الخرقي في فقه الحنابلة جعله نظما، توفي رحمه الله سنة ٥٠٠ هـ. =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي