ثم يذكر لهم حيثية أخرى فيقول: اتَّبِعُواْ مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ يعني: لم يطلبوا منكم أجراً على دعوتهم.
وكلمة مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً لا تُقال إلا إذا كان العمل الذي قام به يحتاج إلى أجر، والرسول ما جاء إلا لينفع المرسَل إليهم، فهو منطقياً يحتاج إلى أجر، لكن مَنْ يستطيع أنْ يوفيه أجره؟ لا أحد يوفيه أجره إلا الله؛ لأن نَفْع الرسول يتعدَّى نفْع الدنيا إلى نفع الآخرة، فمَنْ من البشر يعطي الرسول ما يستحقه؟
لذلك رأينا الرسل جميعاً يقولون هذه الكلمة إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ [يونس: ٧٢] يعني: أنتم أيها القوم لا تملكون مقدار أجري، ولا تقدرون على تقييمه، إنما يعطيني أجري الذي أعمل من أجله. كل رسل الله قالوا هذه الكلمة إلا رسولين، هما: سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟
قالوا: لأن إبراهيم كانت أول دعوته لأبيه آزر، ولا يليق أنْ يطلب منه أجراً على دعوته إياه إلى الحق، كذلك سيدنا موسى أول ما دَعا دَعا فرعون الذي ربَّاه في بيته، وله فَضْل عليه، فكيف يطلب منه أجراً؟
وقوله سبحانه: وَهُمْ مُّهْتَدُونَ [يس: ٢١] حيثية ثالثة لاتباعهم، فهم مُرْسَلُون من قِبَل مَنْ أرسله الله، والله لا يرسل إلا مَنْ يهدي إلى صراط مستقيم يوصل إليه سبحانه. فهؤلاء المرسلون مهتدون في أنفسهم، وبالتالي هادون لغيرهم، فهو إذن يذكر الأمر وعِلَّته، فهؤلاء الرسل لا يسألون أجراً، ولا يدعون إلى ضلال، بل إلى هدى.
ثم يلتفت هذا الرجل إلى نفسه، فيقول للقوم: أنا لا آمركم أمراً أنا عنه بنَجْوَة، ولو كنتُ سأغشُّكُم فلن أغشَّ نفسي وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي [يس: ٢٢] أي: خلقني من العدم، فهو أوْلى بالعبادة، هو الذي صنعني، أوجدني من عدم، وأمدَّني من عُدم، ولا زال يُوالي عليَّ نعمه، إذن: ما يمنعني أن أعبده وهو أَوْلَى بالعبادة، ولو لم تكُنْ عبادتي له إلا لأُكافئه على نعمه دون نظر إلى ثواب، لكانتْ عبادته واجبة.
وهذا ليس كلامَ رسول، إنما كلام رجل مؤمن متطوع باشر الإيمانُ قلبه، فأراد أنْ يزكّي إيمانه، وأنْ يُعدّى هدايته إلى غيره من باب قوله صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
الحق سبحانه خلق الخَلْق أولاً، ثم أرسل الرسل بالمنهج لهدايتهم، الرسل بدورهم بلَّغوا الأصحاب، ومَنْ بلغه شيء تحمله كما يتحمله الرسول، لذلك قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نضَّر الله امرءاً سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَنْ لم يسمعها فرُبَّ مُبلَّغ أَوْعَى من سامع".
إذن: مسئولية الدعوة يتحملها أولاً الرسل، ثم المؤمنون بهم الذين بلغتهم الدعوة، وهذا التحمُّل ليس تفضُّلاً، إنما تكليف من الله، لذلك قال سبحانه:
لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة: ١٤٣]، فكما شهد الرسول أنه بلغكم، فواجب عليكم أنْ تشهدوا على الناس أنكم بلَّغتموهم؛ لأن المؤمنين بالرسالة امتداد للرسول.
لذلك، رأينا هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لإعلاء كلمة الحق وتأييد الرسل لم يكن رسولاً ولم يكلِّفه أحد بهذا، إنما تطوَّع به؛ لأن طاقة الإيمان عنده دفعته إلى هذا الموقف.
تفسير الشعراوي
الشعراوي