قوله : بِمَا غَفَرَ لِي يجوز في ( ما ) هذه ثلاثة أوجه : المصدرية كما تقدم. والثاني : أنها بمعنى الذي والعائد محذوف أي بالذي غفره لي ربي١. واسْتُضْعِفَ هذا من حيث إنه يبقى معناه أنه تمنى أن يعلم قومه بذنوبه المغفورة. وليس المعنى على ذلك إنما المعنى على تَمَنِّي علمهم بغفران رَبِّه ذُنُوبَه٢. والثالث٣ : أنها استفهامية وإليْهِ ذَهَبَ الفرّاء٤. ورده الكسائي بأنه كان ينبغي حذف ألفها لكونها مجرورة٥. وهو رد صحيح. وقال الزمخشري الأجود طرح الألف٦ والمشهور من مذهب البصريين وجوب حذف ألفها٧ كقوله :
٤١٧٣- ( عَلاَمَ٨ يقُولُ الرُّمْحُ يُثْقِلُ عَاتِقِي. . . إِذَا أَنَا لَمْ أَطْعُنْ إذَا الخَيْلُ كَرَّتِ٩
إلاَّ في ضرورة كقول الشاعر ) :
٤١٧٤- عَلَى مَا قَامَ يَشْتِمُنِي لَئيمٌ. . . كَخِنْزيرٍ تَمَرَّغَ فِي رَمَادٍ١٠
وقرئ من المكرمين بتشديد الراء١١.
٢ قال بذلك التوجيه أبو حيان في البحر ٧/٣٢٩..
٣ في "ب" الثاني تحريف وخطأ..
٤ أجازها الفراء وانتفض نفسه مرة أخرى فقال في المعاني ٢/٣٧٤ و ٣٧٥: ولو جعلت "ما" في معنى "أي" كان صوابا يكون المعنى ليتهم يعلمون بأي شيء غفر لي ربي ولو كان كذلك لجاز له فيه: "بم غفر لي ربي" بنقصان الألف كما تقول: سل عم شئت وكما قال: "فناظرة بم يرجع المرسلون" وقد أتمها الشاعر وهي استفهام فقال... أهل اللواء ففيما يكثر القيل. غهو يخبرنا أن الإتمام والنقص من الألف جائز وسيان. (وهذا خلاف ما عليه جمهور البصرة)..
٥ نقله عنه أبو حيان في البحر ٧/٣٢٩ والسمين في الدر ٤/٥٠٥..
٦ الكشاف ٣/٣٢٠ ولكنه أجازها كالفراء نثرا وشعرا..
٧ وإبقاء الفتحة دليلا عليها نحو: فيم وعلام وبم وإلام وعلام وربما تبعت الفتحة الألف في الحذف وهو مخصوص بالشعر. وعلة حذف الألف الفرق بين الاستفهام والخبر ولهذا حذفت في نحو: "فيم أنت من دكراها" ونحوها وثبتت في: "لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم" وقد تقدم رأي الزمخشري والفراء في "ما" هذه منذ قليل. وانظر: المغني ٢٩٨ و ٢٩٩..
٨ ما بين القوسين كله سقط من "أ" الأصل..
٩ من الطويل وهو لعمرو بن معد يكرب يصف قوته في لقاء غرمائه. والشاهد هنا حذف الألف من "ما" الاستفهامية على مذهب أهل البصرة. وفيه شاهد آخر لا مقام لنا به وهو إجراء القول مجرى الظن واحتياجه للمفعولين. وهذا لغة بني تميم. وانظر: الأصمعيات ١٢٢ والأشموني ٢/٣٦ و ٢٢٢ والتصريح ١/٢٦٣ والهمع ١/١٥٧ والمغني ١٤٧٣ والحماسة البصرية ١/١١ والدر المصون ٤/٥٠٥..
١٠ من الوافر وهو لحسان بن ثابت رضي الله عنه من قصيدة في هجاء بني عابد بن عبد الله بن مخزوم ويروى: في دمان وينسب لحسان بن المنذر. والشاهد: إثبات ألف "ما" المجرورة وهي استفهامية وهذا ضرورة وانظر: البيان ٢/٢٩٣ وشرح المفصل لابن يعيش ٤/٩ والمغني ٢٩٩ والتصريح ٢/٣٤٥ وشواهد الشافية ٢٢٤ والخزانة ٦/٩٠ و١٠٧ وشواهد التصريح والتوضيح ١٦١ والبحر ٧/٣٣٠ وفتح القدير ٤/٣٦٦ والهمع ٢/٢١٧ وابن الشجري ٢/٢٣٣ برواية دمان والأشموني ٤/٢١٦ وليس في ديوان حسان..
١١ وهي قراءة الضحاك، انظر: شواذ القرآن ٢٠٢ والبحر ٧/٣٣٠ والكشاف ٣/٣٢٠ والقرطبي ١٥/٢٠ والدر المصون ٤/٥٠٦..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود