نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:ولمَّا مات قيل له : ادخُلِ الجنةَ فدُفن في أنطاكية، وقبره بها. ولم يقل : قيل له ؛ لأن الكلام مسوق لبيان القول، لا لبيان المقول له ؛ لكونه معلوماً. وفيه دلالة على أن الجنة مخلوقة الآن. وقال الحسن : لَمَّا أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله، فهو في الجنة، ولا يموت إلا بفناء السماوات والأرض، فلما دخل الجنة ورأى نِعَمَهَا، وما أعدّ الله لأهل الإيمان، قال يا ليت قومي يعلمون بما غفرَ لي ربي أي : بالسبب الذي غفر لي ربي به، وجعلني من المكرمين بالجنة، وهو الإيمان بالله ورسله، أو : بمغفرة ربي وإكرامي، ف " ما " : موصولة، حُذف عائدها المجرور، لكونه جُرّ بما جُرّ به الموصول، أو : مصدرية، وقيل : استفهامية. ورُدّ بعدم حذف ألفها.
قال الكواشي : تمنى أن يعلم قومُه أنَّ الله قد غفر له، وأكرمه، ليرغب قومُه في اتباع الرسل، فيُسلموا، فنصح قومَه حيًّا وميتاً. وكذلك ينبغي أن يكون كل داع إلى الله تعالى، في المجاهدة والنصيحة لعباد الله، وألاَّ يحقد عليهم إن آذوه، وأن يكظّم كل غيظ يناله بسببهم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سُبَّاق الأمم ثلاثة : علي بن أبي طالب، وصاحب يس، ومؤمن آل فرعون١ " ه.
قال القشيري : قد أَبْلَغَ حبيب الوَعْظَ، وصَدَقَ النُّصْح، ولكن كما قالوا وأنشدوا٢ :
فلمَّا صَدَقَ في حاله، وصَبَرَ على ما لَقِيَ من قومه، ورجع إلى ربه، تلقَّاه بحسن إقباله، وآواه إلى كنف إفضاله، ووجد ما وعده به من لُطْفِ نواله، فتَمنَّى أنْ يعلم قومُه حاله، فَحَقَّقَ مُناة، وأخبر عن حاله، وأنزل فيه خطابه، وعَرَفَ قومُه ه. وكم سُقْتُ في آثارِكم من نصيحةٍ وقد يستفيد البغةَ المتنصِّحُ
خ ٢٦
٢ البيت للعباس بن الفرج الرياشي في الكامل للمبرد ٢/٣٩٢..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي