ثم بين تعالى حال المحسن بقوله تعالى : إن أصحاب الجنة أي : الذين لا حظ للنار فيهم اليوم أي : يوم البعث وهذا يدل على أنه يعجل دخولهم ودخول بعضهم إليها ووقوف الباقين للشفاعات ونحوها من الكرامات عند دخول أهل النار النار، وعبر بما يدل على أنهم بكلياتهم مقبلون عليه ومطرقون له مع توجههم إليه بقوله في شغل أي : عظيم جداً لا تبلغ وصفه العقول كما كانوا في الدنيا في أشغل الشغل بالمجاهدات في الطاعات.
وقرأ ابن عامر والكوفيون بضم الغين، والباقون بالإسكان ثم بين ذلك الشغل بقوله فاكهون أي : متلذذون في النعمة، واختلف في هذا الشغل فقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : في افتضاض الإبكار، وقال وكيع بن الجراح رضي الله عنهما : في السماع، وقال الكلبي : في شغل عن أهل النار وما هم فيه لا يهمهم أمرهم ولا يذكرونهم، وقال ابن كيسان : في زيارة بعضهم بعضاً، وقيل : في ضيافة الله تعالى فاكهون، وقيل : في شغل عن هول اليوم يأخذون ما آتاهم الله تعالى من الثواب فما عندهم خبر من عذاب ولا حساب.
وقوله تعالى فاكهون متمم لبيان سلامتهم فإنه لو قال : في شغل جاز أن يقال : هم في شغل أعظم من التفكر في اليوم وأهواله فإن من تصيبه فتنة عظيمة ثم يعرض عليه أمر من أموره أو يخبر بخسران وقع في ماله يقول : أنا مشغول عن هذا بأهم منه فقال : فاكهون أي : شغلوا عنه باللذة والسرور لا بالويل والثبور، وقال ابن عباس رضي الله عنهما : فاكهون : فرحون.
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني