ثم بين الحق تعالى مآلهم، فقال :
إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلاَلٍ عَلَى الأَرَآئِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُمْ مَّا يَدَّعُونَ * سَلاَمٌ قَوْلاً مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ * وَامْتَازُواْ الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ .
قلت :" سلام " : بدل من " ما " أو : خبر عن مضمر، أو : مبتدأ حُذف خبره، أي : من ذلك سلام، وهو أظهر ؛ ليكون عاماً، أي : ولهم كل ما يتمنون، كقوله : وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ [ فصلت : ٣١ ] ومن جملة ذلك : سلام قولاً من رب رحيم فيوقف على " ما يدَّعون ". و " قولاً " : منصوب على المصدر المحذوف، أي : يقال لهم " قولاً "، وقيل : على الاختصاص.
يقول الحق جلّ جلاله : إِنَّ أَصحابَ الجنةِ اليومَ في شُغلٍ بضم الغين وسكونها أي : في شغل لا يوصف ؛ لِعظم بهجته وجماله. فالتنكير للتعظيم، وهو افتضاض الأبكار، على شط الأنهار، تحت الأشجار، أو سماع الأوتار في ضيافة الجبار. وعن أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهما قيل : يا رسول الله أَنُفْضِي إلى نسائنا في الجنة، كما نُفضي إليهن في الدنيا ؟ قال :" نعم، والذي نفس محمد بيده إن الرجل ليُفضي في الغداة الواحدة إلى مائة عذراء١ " وعن أبي أمامة : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل يتناكح أهل الجنة ؟ فقال :" نعم، بِذَكَرٍ لا يمَلُّ، وشهوة لا تنقطع، دحْماً دحْماً٢ ". قال في القاموس : دحمه كمنعه : دفعُه شديداً. وعن أبي سعيد الخدري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عادوا أبكاراً٣ "، وفي رواية أبي الدرداء :" ليس في الجنة مَنِّي ". وفي رواية :" بول أهل الجنة عرق يسيل تحت أقدامهم مِسكاً٤ " وعن إبراهيم النخعي : جماع ما شئت، ولا ولد. ه. فإذا اشتهى الولد كان بلا وجع، فقد روى الحاكم والبيهقي عنه عليه الصلاة والسلام :" إن الرجل من أهل الجنة ليولد له الولد، كما يشتهي، فيكون حمله وفصاله وشبابه في ساعة واحدة ". انظر البدور السافرة.
قلت : والتحقيق أن شغل أهل الجنة مختلف، فمنهم مَن هو مشتغل بنعيم الأشباح، من حور، وولدان، وأطعمة، وأشربة، على ما يشتهي، ومنهم مَن هو مشتغل بنعيم الأرواح، كالنظر لوجه الله العظيم، ومشاهدة الحبيب، ومناجاة، ومكالمات، ومكاشفات، وترقيات في معاريج الأسرار كل ساعة. ومنهم مَن يُجمع له بين النعيمين، وسيأتي في الإشارة. وقوله تعالى : فَاكِهُون أي : متلذذون في النعمة، والفاكه والفكه : المتنعم، ومنه : الفكاهة ؛ لأنه مما يتلذّذ به، وكذا الفاكهة.
قلت : وما في سورة الواقعة، من ذكر نعيم السابقين، يدلّ على أنهم يجتمع لهم نعيم الحُور والولدان، مع نعيم العيان والرضوان ؛ لأنهم في الدنيا جمعوا بين القيام بوظائف الشريعة، ومعاينة أسرار الحقيقة. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى : سلام قولاً من ربٍّ رحيم قال ابن عطاء : السلام جليل عظيم الخطر، وأجّله خطراً ما كان وقت المشاهدة والمصافحة، حين يقول : سلام قولاً من رب رحيم. قال القشيري : الرحمة في ذلك الوقت أن يُبقهم في حال سماع السلام، أو حال اللقاء، لئلا تصحبهم دهشة، ولا تلحقهم حيرة. هـ. وقال الورتجبي : سلام الله أزلي الأبد، غير منقطع عن عباده الصالحين، في الدنيا والآخرة، لكن في الجنة تُرفع عن آذانهم جميع الحجب، فسَمِعُوا كلامه، ونظروا إلى وجهه كفاحاً. هـ. قلت : وقد يُرفع في دار الدنيا، فيسمع سلام الله على عباده، كما وقع لبعض الأولياء ـ. قيل : وفي قوله : رحيم إشارة إلى عدم حجبهم عن جماله أبداً، مع الإبقاء عليهم في حال السلام واللقاء، فلا تصحبهم دهشة، كما تقدّم. وقيل : الإشارة في الرحيمية : أن ذلك الوصول ليس باستحقاق ولا سبب من فعل العبد، وإنما هو بالرحمة، فيكون للعاصي فيه نَفَسٌ ومساغ للرجاء. قاله المحشي.
وقوله : وامتازوا اليوم إشارة إلى أن غيبة الرقيب من أتم النعمة، وإبعادَ العدوِّ من أجَلِّ العوارف، فالأولياءُ في إيجاب القربة، والأعداد في العذاب والحجبة. انظر القشيري.
٢ أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٤١٦..
٣ أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٤١٧..
٤ أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/٤١٦..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي