قوله وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أي خَلْقاً كثيراً١.
قوله :«جبلاًّ » قرأ نافع وعاصم بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وأبو عمرو وابن عامر بضمة وسكون٢ والباقون بضمتين واللام مخففة في كِلْتَيْهِمَا٣. وابنُ أبي إسْحَاقَ والزّهريّ وابنُ هُرْمُز بضمتين وتشديد اللام٤ والأعمش بكسرتين٥ وتخفيف اللام٦ والأشهب العُقَيْلي٧ واليمانيّ وحماد بن سلمة٨ بكسرة٩ وسكون وهذه لغات في هذه اللفظة وتقدم معناها آخر الشعراء١٠. وقرئ جِبَلاً بكسر الجيم وفتح الباء جمع جِبْلَةٍ، كفِطَرٍ جمع فِطرَة١١، وقرأ عَلِيُّ بْنُ أبي طالب بالياء من أسفل ( ثنتان )١٢. وهي واضحة.
قال ابن الخطيب : الجيم١٣ والباء لا تخلو عن معنى الاجتماع ( و ) الجبل فيه اجتماع الأجسام الكثيرة وجبل الطين فيه اجتماع أجزاء الماء والتراب، وشاة لجباء إذا كانت مجتمعةَ اللبن الكثير، ولا يقال : البلجة نقض على ما ذكرتم فإنها تنبئ عن التفرق فإن الأبلج خلاف المقرون لأنَّا نقول : هي لاجتماع الأماكن الخالية التي تسع المتمكنات فإن البلجة بمعنى. والبَلَدُ سمي بَلَداً للاجتماع، لا لتفرق١٤ الجمع ( العظيم )١٥
حتى قيل : إن دون العشرة آلاف لا يكون بلداً وإن لم يكن صحيحاً. قوله : أَفَلَمْ تَكُونُواْ قرأ العامة بالخطاب لبني آدم. وطلحةُ١٦ وعيسى١٧ بياء الغيبة١٨ والضمير للجبل، ومن حقهما أن يقرءا : التي كانوا يوعدون لولا أن يَعْتَذِرُوا بالالْتِفَاتِ١٩.
فصل
في كيفية هذا الإضلال وجهان :
الأول : تولّية عن المقصد وخديعته٢٠ فالشيطان يأمر البعض بترك عبادة الله وبعبادة غيره فهو توليه فإن لم يقدر يحيد٢١ بأمر غير ذلك من رياسة وجاه وغيرهما وهو يفضي إلى التولية لأن مقصوده لو حصل لترك الله وأقبل على ذلك الغير فتحصل٢٢ التولية. ثم قال :«أفلم تكونوا تعقلون » ما أتاكم من هلاك الأمم الخالية بطاعة إبليس.
٢ من القراءات السبعية المتواترة هي وما قبلها. انظر التشر لابن الجزري ٢/٣٥٥ وحجة ابن خالويه ٢٩٨ والسبعة ٥٤٢ والإتحاف ٣٦٦ وإبراز المعاني ٦٦٠ والدر المصون ٤/٥٣٠..
٣ إحدى القراءات السبع المتواترة أيضا. انظر: النشر ٢/٣٥٥ وحجة ابن خالويه ٢٩٨ والسبعة ٥٢٢ والإتحاف ٣٦٦ والسمين ٤/٥٣٠ وذكر القراءات الثلاثة الإمام ابن الجوزي في زاد المسير ٧/٣٠..
٤ من الأربع فوق العشرة وهي قراءة روح أيضا. انظر: المحتسب ٢/٢١٦ والإتحاف ٣٦٦ والكشاف ٣/٣٢٨..
٥ في أ وتحقيق بالقاف والحاء وهو غير المراد فالتصحيح من ب والكتب المعتمدة..
٦ من الشواذ غير المتواترة انظر: مختصر ابن خالويه ١٢٥ والكشاف ٣/٣٢٨ والسمين ٤/٥٣٠ والبحر ٧/٣٤٤..
٧ لم أقف عليه..
٨ ابن دينار أبو سلمة البصري الإمام الكبير روى القراءة عرضا عن عاصم وابن كثير روى عنه حرمي بن عمارة وحجاج بن المنهال مات سنة ١٦٧ هـ. انظر: الغاية ١/٢٥٨..
٩ مختصر ابن خالويه ١٢٥ والمحتسب ٢/٢١٦..
١٠ عند قوله: والجبلة الأولين الآية ١٨٤ وكلها لغات بمعنى الخلق. انظر: اللباب ٦/٣٥٠ ب وانظر: الكشاف ٣/٣٢٨ والرازي ٢٦/١٠٠..
١١ من الشواذ. المراجع السابقة..
١٢ كذا في النسختين. ولم أعرف قصده. وانظر البحر ٧/٣٤٤ وبقية المراجع السابقة..
١٣ الرازي ٢٦/١٠٠ وانظر: اللسان "ج ب ل" ٥٣٧، وبلد ٣٤٠..
١٤ في ب لتفريق..
١٥ سقط من ب..
١٦ إذا أطلق فهو ابن مصرف..
١٧ الثقفي كما هو معروف..
١٨ ذكرها أبو حيان في البحر ٧/٣٤٤ والسمين في الدر ٤/٣٥٠..
١٩ الأخير السابق..
٢٠ كذا في النسختين. وفي الرازي : وصد عنه..
٢١ كذا في النسختين. وفي الرازي: فإن لم يقدر يأمره بعبادة الله لأمر غير الله..
٢٢ قاله الرازي في التفسير الكبير ٢٦/١٠٠..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود