ﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒ

ثم ذكر سبحانه عداوة الشيطان لبني آدم، فقال : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً اللام هي الموطئة للقسم، والجملة مستأنفة للتقريع والتوبيخ، أي والله لقد أضلّ إلخ. قرأ نافع وعاصم جبلاً بكسر الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ أبو عمرو، وابن عامر بضم الجيم وسكون الباء، وقرأ الباقون بضمتين مع تخفيف اللام، وقرأ ابن أبي إسحاق، والزهري، وابن هرمز بضمتين مع تشديد اللام، وكذلك قرأ الحسن، وعيسى بن عمر، والنضر بن أنس، وقرأ أبو يحيى، وحماد بن سلمة، والأشهب العقيلي بكسر الجيم، وإسكان الباء، وتخفيف اللام قال النحاس : وأبينها القراءة الأولى. والدليل على ذلك أنهم قد قرؤوا جميعاً والجبلة الأوّلين [ الشعراء : ١٨٤ ] بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام. فيكون جبلاً جمع جبلة، واشتقاق الكل من جبل الله الخلق : أي خلقهم، ومعنى الآية : أن الشيطان قد أغوى خلقاً كثيراً كما قال مجاهد. وقال قتادة : جموعاً كثيرة، وقال الكلبي : أمماً كثيرة. قال الثعلبي : والقراءات كلها بمعنى الخلق، وقرئ " جيلاً " بالجيم، والياء التحتية.
قال الضحاك : الجيل الواحد عشرة آلاف، والكثير ما لايحصيه إلا الله عزّ وجلّ، ورويت هذه القراءة عن عليّ بن أبي طالب، والهمزة في قوله : أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ للتقريع، والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر يقتضيه المقام كما تقدّم في نظائره أي : أتشاهدون آثار العقوبات ؟ أفلم تكونوا تعقلون ؟ أو أفلم تكونوا تعقلون عداوة الشيطان لكم ؟ أو أفلم تكونوا تعقلون شيئاً أصلاً ؟ قرأ الجمهور : أفلم تكونوا تعقلون بالخطاب، وقرأ طلحة، وعيسى بالغيبة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن ابن عباس في قوله : فِى شُغُلٍ فاكهون قال : في افتضاض الأبكار. وأخرج عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا، وعبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود في الآية قال : شغلهم افتضاض العذارى. وأخرج عبد بن حميد عن عكرمة، وقتادة مثله. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد عن ابن عمر قال : إن المؤمن كلما أراد زوجة وجدها عذراء. وقد روي نحوه مرفوعاً عن أبي سعيد، مرفوعاً عند الطبراني في الصغير، وأبي الشيخ في العظمة. وروي أيضاً نحوه عن أبي هريرة مرفوعاً عند الضياء المقدسي في صفة الجنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : فِى شُغُلٍ فاكهون قال : ضرب الأوتار. قال أبو حاتم : هذا لعله خطأ من المستمع، وإنما هو افتضاض الأبكار. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه قال : فاكهون فرحون. وأخرج ابن ماجه، وابن أبي الدنيا في صفة الجنة، والبزار، وابن أبي حاتم، والأجرّي في الرؤية، وابن مردويه عن جابر قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم :«بينا أهل الجنة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الربّ قد أشرف عليهم من فوقهم، فقال : السلام عليكم يا أهل الجنة، وذلك قول الله : سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ قال : فينظر إليهم، وينظرون إليه، فلا يلتفتون إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون إليه حتى يحتجب عنهم، ويبقى نوره، وبركته عليهم في ديارهم» قال ابن كثير : في إسناده نظر. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في الآية قال : إن الله هو يسلم عليهم.
وأخرج أحمد، ومسلم، والنسائي، والبزار، وابن أبي الدنيا في التوبة، واللفظ له، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن أنس في قوله : اليوم نَخْتِمُ على أفواههم قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فضحك حتى بدت نواجذه، قال :«أتدرون مما ضحكت ؟» قلنا : لا يا رسول الله، قال :«من مخاطبة العبد ربه يقول : يا ربّ ألم تجرني من الظلم ؟ فيقول : بلى، فيقول : إني لا أجيز عليّ إلا شاهداً مني، فيقول : كفى بنفسك اليوم عليك شهيداً، وبالكرام الكاتبين شهوداً، فيختم على فيه. ويقال لأركانه : انطقي، فتنطق بأعماله، ثم يخلى بينه وبين الكلام، فيقول : بعداً لكنّ، وسحقاً، فعنكن كنت أناضل».
وأخرج مسلم، والترمذي، وابن مردويه، والبيهقي عن أبي سعيد، وأبي هريرة قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«يلقى العبد ربه، فيقول الله : قل ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخر لك الخيل، والإبل، وأذرك ترأس، وترتع ؟ فيقول : بلى أي ربّ، فيقول : أفظننت أنك ملاقيّ ؟ فيقول : لا، فيقول : إني أنساك كما نسيتني. ثم يلقى الثاني، فيقول مثل ذلك، ثم يلقى الثالث، فيقول له مثل ذلك، فيقول : آمنت بك وبكتابك وبرسولك وصليت، وصمت، وتصدّقت، ويثني بخير ما استطاع، فيقول : ألا نبعث شاهدنا عليك، فيفكر في نفسه من الذي يشهد عليّ، فيختم على فيه، ويقال لفخذه : انطقي، فتنطق فخذه وفمه، وعظامه بعمله ما كان، وذلك ليعذر من نفسه، وذلك المنافق، وذلك الذي يسخط عليه». وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث أبي موسى نحوه.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : وَلَوْ نَشَاء لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ قال : أعميناهم، وأضللناهم عن الهدى فأنى يُبْصِرُونَ فكيف يهتدون. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله : وَلَوْ نَشَاء لمسخناهم قال : أهلكناهم على مكانتهم قال : في مساكنهم. وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم قال : بلغني أنه قيل لعائشة : هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر ؟ قالت : كان أبغض الحديث إليه، غير أنه كان يتمثل ببيت أخي بني قيس، فيجعل أوّله آخره يقول : ويأتيك من لم تزوّد بالأخبار، فقال أبو بكر : ليس هكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«إني والله ما أنا بشاعر، ولا ينبغي لي» وهذا يردُّ ما نقلناه عن الخليل سابقاً أن الشعر كان أحبّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من كثير من الكلام، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استراث الخبر تمثل ببيت طرفة :
* ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد *
وأخرج البيهقي في سننه عن عائشة قالت : ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتاً واحداً :

تفاءل بما تهوى يكن فلقلما يقال لشيء كان إلا تحقق
قالت عائشة : ولم يقل تحققاً لئلا يعربه فيصير شعراً، وإسناده هكذا : قال أخبرنا أبو عبيد الله الحافظ : يعني الحاكم حدّثنا أبو حفص عمر بن أحمد بن نعيم، حدّثنا أبو محمد عبد الله بن هلال النحوي الضرير، حدّثنا علي بن عمرو الأنصاري، حدّثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عروة عن عائشة فذكره. وقد سئل المزّي عن هذا الحديث فقال : هو منكر ولم يعرف شيخ الحاكم ولا الضرير.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية