قوله تعالى : وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ .
قوله : جِبِلاًّ كَثِيراً ، أي : خلقًا كثيرًا كقوله تعالى : وَاتَّقُواْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الأوَّلِينَ [ الشعراء : ١٨٤ ]، وما تضمّنته هذه الآية الكريمة، من كون الشيطان أضلّ خلقًا كثيرًا من بني آدم جاء مذكورًا في غير هذا الموضع ؛ كقوله تعالى : وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مّنَ الإنْسِ [ الأنعام : ١٢٨ ]، أي : قد استكثرتم أيها الشياطين، من إضلال الإنس، وقد قال إبليس : لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً ، وقد بيَّن تعالى أن هذا الظن الذي ظنّه بهم من أنه يضلهم جميعًا إلا القليل صدّقه عليهم ؛ وذلك في قوله تعالى : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاَّ فَرِيقاً مّنَ الْمُؤْمِنِينَ [ سبأ : ٢٠ ]، كما تقدّم إيضاحه. وقرأ هذا الحرف نافع وعاصم : جِبِلاًّ بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام. وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي : جِبِلاًّ ، بضم الجيم والباء وتخفيف اللام. وقرأه أبو عمرو وابن عامر : جِبِلاًّ ، بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام، وجميع القراءات بمعنى واحد، أي : خلقًا كثيرًا.
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان