ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷ ﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜ ﭞﭟﭠﭡﭢﭣ ﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫ ﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳ ﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻ ﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆ

صيرورتهم إلى سن الشيبة، ثم إلى الشيخوخة، ليعلموا أنهم خلقوا لدار أخرى لا زوال لها، ولا انتقال عنها، ولا محيد عنها، وهي الدار الآخرة. ثم أفلا يعقلون أن من فعل هذا بهم قادر على بعثهم مرة أخرى؟!
إثبات وجود الله ووحدانيته وبيان خواص الرسالة
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٦٩ الى ٧٦]
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ (٧٠) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ (٧٣)
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥) فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (٧٦)
الإعراب:
فَمِنْها رَكُوبُهُمْ مبتدأ مؤخر وخبر مقدم، وقرئ: ركوبهم وركوبتهم، وهما ما يركب، كالحلوب والحلوبة. حذف التاء من الأول، كقولهم: امرأة صبور وشكور، وكلاهما بمعنى مفعول.
البلاغة:
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ بين الجملتين ما يسمى بالمقابلة، قابل بين الإنذار والإعذار، وبين المؤمنين والكفار.
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً استعارة تمثيلية، شبه قيامه بالخلق والتكوين بمن يعمل أمرا بيديه، ويتقنه بذاته، واستعار لفظ العمل للخلق.
وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ بعد قوله: فَمِنْها رَكُوبُهُمْ عام بعد خاص، لتعظيم النعمة.

صفحة رقم 42

أَفَلا يَشْكُرُونَ استفهام إنكاري للتقريع والتوبيخ.
يُسِرُّونَ ويُعْلِنُونَ بينهما طباق.
وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ تشبيه بليغ، أي كالجند في الخدمة والدفاع.
المفردات اللغوية:
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ رد لقول المشركين في مكة: إن محمدا شاعر، وما أتى به من القرآن شعر، أي ما علمناه الشعر، بتعليم القرآن، فإنه لا يماثله لفظا ولا معنى، لأنه غير موزون ولا مقفّى، والشعر: كلام موزون مقفّى. فالضمير في عَلَّمْناهُ للنبي ص. وَما يَنْبَغِي لَهُ أي ما يصح له الشعر، ولا يتأتى منه، ولا يسهل عليه لو طلبه. إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ أي ما القرآن إلا عظة أو موعظة وإرشاد من الله. وَقُرْآنٌ مُبِينٌ أي وكتاب سماوي مظهر للأحكام والشرائع وغيرها، يتلى في أثناء العبادة.
لِيُنْذِرَ القرآن أو الرسول ص مَنْ كانَ حَيًّا عاقلا ما يخاطب به فهما، أو حيّ القلب، مستنير البصيرة. وَيَحِقَّ الْقَوْلُ يجب العذاب ويثبت. عَلَى الْكافِرِينَ الذين يصيرون إلى الكفر، وهم كالميتين لا يعقلون ما يخاطبون به. أَوَلَمْ يَرَوْا يعلموا، والاستفهام للتقرير، والواو الداخلة على لَمْ للعطف. أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ للناس. مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا مما تولينا إحداثه وعملناه وأبدعناه بلا شريك ولا معين أَنْعاماً هي الإبل والبقر والغنم، وخصها بالذكر لما فيها من بدائع الفطرة وكثرة المنافع. فَهُمْ لَها مالِكُونَ متملكون، ضابطون قاهرون، يتصرفون بها كيف شاؤوا، ولو خلقناها وحشية لنفرت منهم، ولم يقدروا على ضبطها. وَذَلَّلْناها لَهُمْ سخرناها لهم، وجعلناها منقادة لهم. فَمِنْها رَكُوبُهُمْ مركوبهم. وَمِنْها يَأْكُلُونَ ما يأكلون لحمه.
وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ كأصوافها وأوبارها وأشعارها. وَمَشارِبُ من لبنها، جمع مشرب بمعنى الموضع، أو المصدر. أَفَلا يَشْكُرُونَ المنعم بها عليهم فيؤمنوا، إذ لولا خلقه لها وتذليله إياها لما حصّلوا هذه المنافع المهمة.
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً من الأصنام ونحوها يعبدونها، ولا قدرة لها على شيء، ولا فائدة منها. لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ رجاء أن ينصروهم في وقت الأزمات والشدائد.
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ أي لا تستطيع آلهتهم مناصرتهم في شيء ما، وقد نزلوا منزلة العقلاء.
وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ أي وهم لآلهتهم من الأصنام جنود يذودون عنهم، ثم هم محضرون في النار معهم. فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ فلا يهمّك قولهم في الله بالإلحاد والشرك، وفيك بالتكذيب، قائلين

صفحة رقم 43

لك: لست مرسلا. إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ نعلم السر والجهر، فنجازيهم عليه، وهو تعليل النهي على الاستئناف.
المناسبة:
بعد أن ذكر الله تعالى أصلين من أصول الدين الثلاثة، وهما الوحدانية في قوله: وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ والبعث أو الحشر في قوله: هذِهِ جَهَنَّمُ.. اصْلَوْهَا الْيَوْمَ ذكر الأصل الثالث وهو الرسالة في الآيتين الأوليين:
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ... الآية.
ثم إنه تعالى أعاد الكلام على الوحدانية وأقام الأدلة الدالة عليها في بقية هذه الآيات.
التفسير والبيان:
ينفي الحق تبارك وتعالى صفة الشعر عن القرآن، وخاصية الشاعرية عن الرسول ص، فيقول:
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ أي ليس النبي شاعرا، وما يصح له الشعر، ولا يتأتى منه ولا يسهل عليه لو طلبه، فليس هو في طبعه، ولا يحبه، وقد جعله الله أميا لا يقرأ ولا يكتب، وإنما علمه الله قرآنا هو أسمى من الشعر، ونوع آخر غير الشعر.
والشعر: كلام عربي له وزن خاص، ينتهي كل بيت منه بحرف خاص يسمى قافية، ولا بد في القصيدة من وحدة القافية، أي الحرف الأخير من كل بيت. ويعتمد الشعر على الخيال الخصب، والتصوير الرائع، والعاطفة المشبوبة، ولا يتبع الشاعر فيه ما يمليه العقل والمنطق، ولا يتحرى الصدق والدقة في إرسال أوصاف المديح والهجاء والرثاء والغزل وغير ذلك، ويبالغ الشاعر في التصوير والوصف، وما همّه إلا انتزاع الإعجاب من السامعين بقوله، لذا وصف

صفحة رقم 44

تعالى الشعراء بقوله: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ، وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ [الشعراء ٢٦/ ٢٢٥- ٢٢٦] وقال العرب: أعذب الشعر أكذبه قال أبو حيان: والشعر: إنما هو كلام موزون مقفّى، يدل على معنى تنتخبه الشعراء من كثرة التخييل وتزويق الكلام وغير ذلك، مما يتورع المتدين عن إنشاده، فضلا عن إنشائه «١».
أما القرآن الكريم فخبره صدق، وكلامه عظة واقعية، ومنهجه التشريع الذي يسعد البشر، وقصده الترغيب في فضائل الأعمال وغرر الخصال والأخلاق، والترهيب من الانحراف والرذيلة، وتقرير أحكام العبادة الصحيحة والمعاملة الرشيدة.
فالآية دلت على نفي كون القرآن شعرا في قوله تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ، ونفي كون النبي شاعرا في قوله تعالى: وَما يَنْبَغِي لَهُ وإنما علّمه الله القرآن الذي يمتاز بخاصيّة معينة تختلف عن الشعر المعروف وعن النثر المألوف.
وهي رد قاطع على قول العرب أهل مكة: إن القرآن شعر أو سحر أو من عمل الكهان، وإن محمدا شاعر، قاصدين بذلك إبطال صفة الوحي به من عند الله، وتكذيب خاصيّة الرسالة.
وأما ما ورد على لسان الرسول ص من أقوال موزونة، فهو مجرد سليقة اتفاقية من غير تكلف ولا صنعة ولا قصد، مثل قوله يوم حنين وهو راكب البغلة البيضاء يقدم بها في نحور العدو:
أنا النبي لا كذب... أنا ابن عبد المطلب

(١) البحر المحيط: ٧/ ٣٤٥

صفحة رقم 45

وقوله ص حينما نكبت أصبعه في غار:

إن أنت إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت
بل إن الخليل بن أحمد الفراهيدي ما عدّ المشطور من الرجز شعرا.
ولكنه ص كان يتمثل أحيانا ببعض الأشعار لشعراء العرب، مثل تمثله ببيت طرفة بن العبد في معلّقته المشهورة:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وقد صح فيما رواه ابن أبي حاتم وابن جرير عن عائشة رضي الله عنها أنه كان يقول:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك من لم تزود بالأخبار
فقال أبو بكر رضي الله عنه: ليس هذا هكذا، فقال ص: «إني لست بشاعر ولا ينبغي لي».
وروى ابن سعد وابن أبي حاتم عن الحسن: «أنه ص كان يتمثل بهذا البيت هكذا:
كفى بالإسلام والشيب ناهيا للمرء
والرواية: كفى الشيب والإسلام للمرء.
ناهيا، فقال أبو بكر: أشهد إنك رسول الله، ما علمك الشعر، وما ينبغي لك»
.
وثبت في الصحيح أنه ص تمثّل يوم حفر الخندق بأبيات عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، ولكن تبعا لقول أصحابه الذين كانوا يرتجزون، وهم يحفرون ويقولون:
لا همّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا

صفحة رقم 46

وثبّت الأقدام إن لاقينا إن الأولى قد بغوا علينا
إذا أرادوا فتنة أبينا
ويرفع ص صوته بقوله: أبينا، ويمدّها.
وعدم تعليمه الشعر، لأن الله إنما علّمه القرآن العظيم الذى: لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ، تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت ٤١/ ٤٢].
والقرآن ليس بشعر ولا تخيلات، ولا كهانة، ولا مفتعل، ولا سحر يؤثر، وإنما هو دستور للحياة الإسلامية، ومواعظ وإرشادات، كما قال تعالى:
إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ أي ما القرآن إلا ذكر من الأذكار، وموعظة من المواعظ، وكتاب سماوي واضح ظاهر جلي لمن تأمله وتدبره، يتلى في المعابد، ويسترشد في كل شؤون الحياة.
لذا قال تعالى محدّدا مهمة القرآن ومهمة رسول الله ص:
لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ أي لينذر هذا القرآن المبين كل حي على وجه الأرض، كقوله تعالى: لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [الأنعام ٦/ ١٩] ولكن إنما ينتفع بنذارته من هو حيّ القلب، مستنير البصيرة، ولكي تثبت به وتجب كلمة العذاب على الكافرين، الممتنعين من الإيمان به، وهذا في مقابلة صفة المؤمنين وهم أحياء القلوب، أما الكافرون فهم لكفرهم وسقوط حجتهم وعدم تأملهم أشبه بالأموات في الحقيقة، لعدم تأثرهم بعظات القرآن، وانعدام يقظتهم لاتباع الحق والهدى.
والخلاصة: أن الآية دالة على أن القرآن رحمة للمؤمنين، وحجة على الكافرين.
ثم أعاد تعالى الكلام في الوحدانية وأتى ببعض أدلتها، فقال:
أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ أي أو لم

صفحة رقم 47

يشاهد هؤلاء المشركون بالله عبدة الأصنام وغيرهم أن الله خلق لهم هذه الأنعام (وهي الإبل والبقر والغنم) التي سخرها لهم، وأوجدها من أجلهم من غير وساطة ولا شريك، وجعلهم مالكين لها، يقهرونها ويضبطونها ويتصرفون بها كيف شاؤوا، وهي ذليلة لهم، لا تمتنع منهم، ولو شاء لجعلها مستعصية عليهم، مستوحشة نافرة منهم، فلا يستفيدون منها، فترى الولد الصغير يقود البعير الكبير، بل ولو كان القطار مائة بعير أو أكثر.
ثم أبان الله تعالى منافعها الملموسة، فقال:
وَذَلَّلْناها لَهُمْ، فَمِنْها رَكُوبُهُمْ، وَمِنْها يَأْكُلُونَ أي وجعلناها لهم مسخّرة مذللة منقادة لهم، لا تمتنع مما يريدون منها، حتى الذبح، فمنها مركوبهم الذي يركبونه في الأسفار، ويحملون عليه الأثقال، ومنها ما يأكلون من لحمها.
وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ، أَفَلا يَشْكُرُونَ؟ أي ولهم فيها منافع أخرى غير الركوب والأكل منها، كالاستفادة من أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين، وهي لهم مشارب أي يشربون من ألبانها، أفلا يشكرون خالق ذلك ومسخره وموجد هذه النعم لهم، بعبادته وطاعته، وترك الإشراك به غيره.
وهذا حثّ صريح على شكر الخالق المنعم بعبادته وطاعته، وهو أبسط ما يوجبه الوفاء، وتقدير المعروف والإحسان.
ولكن الكفار تنكروا لهذا الواجب، وكفروا بأنعم الله، واستمروا في ضلالهم وتركوا عبادة الله، وأقبلوا على عبادة من لا يضر ولا ينفع، وتوقعوا منه النصرة، فقال تعالى:
وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً، لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ أي واتخذ هؤلاء المشركون

صفحة رقم 48

الأصنام ونحوها آلهة يعبدونها من دون الله، يبتغون بذلك أن تنصرهم وترزقهم وتقربهم إلى الله زلفى.
ولكنها في الواقع لا تقدر على شيء، ولا تحقق فائدة لعبادها، لذا قال تعالى مبينا خيبة أملهم:
لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ، وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ أي لا تقدر هذه الآلهة على نصر عابديها، بل هي أضعف من ذلك وأذل وأحقر، بل لا تقدر على نصرة أنفسها، ولا على الانتقام ممن أساء إليها، لأنها جماد لا تسمع ولا تعقل، لذا كان الثابت بطلان ما رجوه منها، وأمّلوه من نفعها.
والكفار المشركون جند طائعون للأصنام، يغضبون لها في الدنيا، وهي لا تستطيع نصرهم، ولا تقدم لهم خيرا، ولا تدفع عنهم شرا، إنما هي أصنام.
وقوله: مُحْضَرُونَ أي يخدمونهم، ويدفعون عنهم، ويغضبون لهم، وليس للآلهة استطاعة على شيء، ولا قدرة على النصر. أو إنهم يوم القيامة محضرون لعذابهم، لأنهم يجعلونهم وقودا للنار.
ثم سلّى الله رسوله عما يلقاه من أذى المشركين، فقال:
فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ، إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ أي فلا يهمنك تكذيبهم لك وكفرهم بالله، وأذاهم، وجفاؤهم، وقولهم: هؤلاء آلهتنا، وأنها شركاء لله في المعبودية، أو قولهم لرسول الله ص: أنت شاعر، أو ساحر، أو كاهن ونحو ذلك.
فإنا نحن نعلم جميع ما هم فيه، نعلم سرهم وجهرهم، ونعلم ما يسرون لك من العداوة، وإنا مجازوهم بذلك، ومعاقبوهم عليه.

صفحة رقم 49

فقه الحياة أو الأحكام:
دلت الآيات على ما يلي:
١- ليس القرآن شعرا، ولا محمّد ص شاعرا، فلا يقول الشعر ولا يزنه، وكان إذا حاول إنشاد بيت قديم متمثلا به، كسر وزنه، وإنما كان همّه فقط الإفادة من المعاني.
٢- إن إصابة النبي ص الوزن أحيانا لا يوجب أنه يعلم الشعر، فقد يأتي مثل ذلك في آيات القرآن، وليس ذلك شعرا ولا في معناه، كقوله تعالى:
لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [آل عمران ٣/ ٩٢] وقوله: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ [الصف ٦١/ ١٣] وقوله: وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ [سبأ ٣٤/ ١٣] وقوله: فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف ١٨/ ٢٩] إلى غير ذلك من الآيات.
٣- روى ابن القاسم عن مالك أنه سئل عن إنشاد الشعر، فقال: لا تكثرن منه، فمن عيبه أن الله يقول: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ، وَما يَنْبَغِي لَهُ.
٤- ما ينبغي ولا يصح للنبي ص أن يقول الشعر، وذلك من أعلام النبوة، ولا اعتراض لملحد على هذا بما يتفق الوزن فيه من القرآن وكلام الرسول ص، لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، ولم يقصد به إلى الشعر، ليس بشعر، ولو كان شعرا لكان كل من نطق بموزون من العامة الذين لا يعرفون الوزن شاعرا.
٥- إن الذي يتلوه النبي ص على الناس هو ذكر من الأذكار، وعظة من المواعظ، وقرآن بيّن واضح مشتمل على الآداب والأخلاق، والحكم والأحكام، والتشريع المحقق لسعادة البشر.

صفحة رقم 50

٦- إن الغرض من إنزال القرآن إنذار من كان حيّ القلب، مستنير البصيرة، وإيجاب الحجة بالقرآن على الكفرة.
٧- من أدلة وجود الله ووحدانيته: خلق الإنسان والحيوان والنبات، فإنه سبحانه خلق كل ذلك، وأبدعه، وعمله من غير واسطة ولا وكالة ولا شركة.
ومن فضله ونعمته على الناس تذليل الأنعام لهم، وتسخيرها لمنافعهم في الركوب، وأكل اللحوم وشرب الحليب والألبان، وصنع الأسمان، حتى إن الصبي يقود الجمل العظيم ويضربه ويوجهه كيف شاء، وهو له طائع. وهذا كله وغيره يوجب شكر الخالق المنعم وهو الله على نعمه، بعبادته وطاعته وإخلاص ذلك له.
٨- بالرغم من وجود الآيات الدالة على قدرة الله، اتخذ الكفار المشركون من دون الله آلهة، لا قدرة لها على فعل، طمعا في نصرتها وأملا في مساعدتها لهم إن نزل بهم عذاب.
والحقيقة أن تلك الآلهة المزعومة لا تستطيع نصر عابديها، ولا جلب الخير لهم، ولا دفع الشر والضر عنهم، ومع ذلك فإن الكفار جند طائعون لهذه الآلهة، يمنعون عنهم ويدفعون عنهم، ويغضبون لهم في الدنيا، فهم لها بمنزلة الجند والحرس، وهي لا تستطيع أن تنصرهم. وقيل: إن الآلهة جند للعابدين يوم القيامة، محضرون معهم في النار، فلا يدفع بعضهم عن بعض. وفي الخبر:
إنه يمثّل لكل قوم ما كانوا يعبدونه في الدنيا من دون الله، فيتبعونه إلى النار، فهم لهم جند محضرون. وهذا المعنى
ثبت في صحيح مسلم وكذا في جامع الترمذي عن أبي هريرة أن النبي ص قال: «يجمع الله الناس يوم القيامة في صعيد واحد، ثم يطّلع عليهم رب العالمين، فيقول: ألا ليتبع كل إنسان ما كان يعبد،

صفحة رقم 51

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية