فيمثّل لصاحب الصليب صليبه، ولصاحب التصاوير تصاويره، ولصاحب النار ناره، فيتبعون ما كانوا يعبدون، ويبقى المسلمون».
٩- سلا الله عز وجل نبيه ص، فقال له: لا يحزنك قولهم: شاعر، ساحر، روي أن القائل عقبة بن أبي معيط، فنفى الله ذلك عن رسوله.
١٠- إن الله تعالى عليم مطلع على ما يسرّ الكافرون ويظهرون من القول والعمل، فيجازيهم بذلك يوم القيامة.
إثبات البعث
[سورة يس (٣٦) : الآيات ٧٧ الى ٨٣]
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ (٨١)
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣)
الإعراب:
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ الهمزة للإنكار مع إفادة التعجب، والواو للعطف على مقدر، أي ألم يتفكر الإنسان ويعلم.
البلاغة:
خَصِيمٌ مُبِينٌ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ من صيغ المبالغة.
أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ استعارة تمثيلية، شبه سرعة إنجازه الأشياء بأمر المطاع من غير امتناع ولا تأخير.
مَلَكُوتُ صيغة مبالغة من الملك، أي الملك الواسع التام كالجبروت والرحموت للمبالغة.
المفردات اللغوية:
أَوَلَمْ يَرَ أو لم يعلم. الْإِنْسانُ أي إنسان، ويشمل من كان سبب النزول، وهو العاص بن وائل السهمي وأبي بن خلف. أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ أنا خلقناه من أضعف الأشياء، والنطفة: الذرة من مادة الحياة وهي المني. فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ الخصيم: الشديد الخصومة لنا، المبالغ في الجدل إلى أقصى الغاية، والمبين: البيّن في نفي البعث.
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا أي أورد في شأننا قصة غريبة هي في غرابتها كالمثل، إذ أنكر إحياءنا للعظام النخرة، ونفى القدرة على إحياء الموتى، مقارنا ذلك بما عجز عنه، وقائسا قدرة الله على قدرة العبد. وَنَسِيَ خَلْقَهُ نسي خلقنا إياه، من المني، وهو أغرب من مثله. قالَ: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ الرميم: البالية أي ما بلي من العظام، ولم يقل: رميمة لأنه اسم لا صفة،
روي أن العاصي بن وائل أو أمية بن خلف أو أبي بن خلف «١» أخذ عظما رميما، ففتته، وقال للنبي ص: أترى يحيي الله هذا بعد ما بلي ورمّ؟ فقال ص: «نعم، ويدخلك النار»
وفيه دليل على أن العظم ذو حياة، فيؤثر فيه الموت كسائر الأعضاء.
قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ أي فإن قدرته كما كانت، لامتناع التغير فيه، والمادة على حالها في القابلية اللازمة لذاتها. وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ أي وهو بكل مخلوق عليم جملة وتفصيلا، قبل خلقه وبعد خلقه، يعلم تفاصيل المخلوقات وأجزاء الأشخاص المتفتتة، ومواقعها وطريق تمييزها، وضمّ بعضها إلى بعض على النمط السابق.
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً أي أن الله يسرّ لكم الانتفاع بالحطب، تحرقونه للطبخ والدفء، وقد كان أخضر رطبا، أو أن هناك شجرا يسمى المرخ، وشجرا آخر يسمى العفار، إذا قطع منهما عودان، وضرب أحدهما على الآخر، انقدحت منهما النار، وهما أخضران، وفي أمثال العرب: «في كل شيء نار، واستمجد المرخ والعفار»، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ
تقدحون منه النار، وتوقدونها من ذلك الشجر، بعد أن كان أخضر. وهذا دالّ على القدرة على البعث، فإنه تعالى جمع فيه بين الماء والنار والخشب، فلا الماء يطفئ النار، ولا النار تحرق الخشب. وإبراز الشيء من ضدّه: وهو اقتداح النار من الشيء الأخضر أبدع شيء، وهو دالّ على قدرة الله تعالى.
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ أي إن من قدر على خلق السموات والأرض، وهما في غاية العظم، يقدر على إعادة خلق البشر الذي هو صغير ضعيف بَلى أي هو قادر على ذلك، وبلى كلمة جواب كنعم، تأتي بعد كلام منفي، وكان الجواب من الله للدلالة على أنه لا جواب سواه. وَهُوَ الْخَلَّاقُ الكثير الخلق الْعَلِيمُ الواسع العلم بكل شيء، فهو كثير المخلوقات والمعلومات.
إِنَّما أَمْرُهُ شأنه في الإيجاد. إِذا أَرادَ شَيْئاً خلق شيء. أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ أي فهو يكون، أي يحدث، وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده من غير تأخر وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة، قطعا للشبهة في قياس قدرة الله تعالى على قدرة الخلق، فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ.. أي تنزيه عما ضربوا له من المثل، وتعجيب مما قالوا فيه، مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ الملك التام والقدرة، كالرحموت والرهبوت والجبروت، زيدت الواو والتاء للمبالغة وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ تردون في الآخرة.
سبب النزول:
أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: جاء العاص بن وائل إلى رسول الله ص بعظم حائل، ففتّه، فقال: يا محمد: أيبعث هذا بعد ما أرمّ؟
قال: نعم، يبعث الله هذا، ثم يميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت الآيات: أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ إلى آخر السورة.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد وعكرمة وعروة بن الزبير وقتادة والسّدّي نحوه، وسمّوا الإنسان أبي بن خلف. وهذا هو الأصح كما قال أبو حيان، لما رواه ابن وهب عن مالك.
وبناء عليه،
قال المفسّرون: إن أبي بن خلف الجمحي جاء إلى
رسول الله ص بعظم حائل، ففتته بين يديه، وقال: يا محمد، يبعث الله هذا بعد ما أرمّ؟ فقال: نعم، يبعث الله هذا، ويميتك، ثم يحييك، ثم يدخلك نار جهنم، فنزلت هذه الآيات.
وعلى أي حال، يقول علماء أصول الفقه: إن العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب، كما في قوله تعالى: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة ٥٨/ ١] نزلت في امرأة واحدة، وأراد الكل في الحكم، فكذلك كل إنسان ينكر الله أو الحشر، فهذه الآية ردّ عليه، فتكون الآية عامة.
المناسبة:
بعد بيان الأدلة الدّالة على قدرة الله عزّ وجلّ، ووجوب طاعته وعبادته، وبطلان الشرك به، ذكر تعالى شبهة منكري البعث، وأجاب عنها بأجوبة ثلاثة: هي أن الإعادة مثل البدء بل أهون، وقدرة الله على إيجاد النار من الشجر الأخضر، وخلق ما هو أعظم من الإنسان، وهو خلق السموات والأرض، وفي النهاية: فورية تكوين الأشياء بقول: كُنْ فَيَكُونُ.
التفسير والبيان:
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ، فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ألم يعلم كل إنسان أننا بدأنا خلقه من نطفة (مني) من ماء مهين، هي أضعف الأشياء، ثم جعلناه بشرا سويّا، ثم تراه يفاجئنا بأنه ناطق مجادل بيّن جريء في جدله، فقوله خَصِيمٌ ناطق، ومُبِينٌ إشارة إلى قوة عقله.
والمراد: أو لم يستدلّ من أنكر البعث بالبدء على الإعادة، فإن الله ابتدأ خلق الإنسان من سلالة من ماء مهين، فخلقه من شيء ضعيف حقير، كما قال تعالى: أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ، فَجَعَلْناهُ فِي قَرارٍ مَكِينٍ، إِلى قَدَرٍ
مَعْلُومٍ
[المرسلات ٧٧/ ٢٠- ٢٢]، وقال سبحانه: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [الإنسان ٧٦/ ٢] أي من نطفة من أخلاط متفرقة.
فشأن هذا المخلوق أن يشكر النعمة، لا أن يطغى ويتجبر، وينكر البعث والإعادة.
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ، قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ؟ أي وذكر أمرا عجيبا كالمثل في الغرابة على استبعاد إعادة الله ذي القدرة العظيمة للأجساد والعظام الرميمة، ونسي نفسه، وأن الله تعالى خلقه من العدم إلى الوجود، فأنكر أن الله يحيي العظام البالية، قائسا قدرة الله على قدرة العبد، حيث لم يكن ذلك في مقدور البشر.
فأجابه الله تعالى بقوله:
قُلْ: يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ، وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ أي قل أيها الرسول لهذا المشرك المنكر البعث: يحيي الله تلك العظام البالية الذي أبدع خلقها وأوجدها في المرة الأولى من غير شيء من العدم ولم يكن شيئا مذكورا، وهو لا تخفى عليه خافية من الأشياء، سواء أكانت مجموعة أم مجزأة مشتتة في أنحاء الأرض، ولا يخرج عن علمه أي شيء كائنا ما كان، ولو في أعماق الأرض أو البحر أو أجواف الإنسان أو الحيوان أو اختلط بالتراب والنبات. وقد قال العلماء: إن الذرّة لا تفنى، وتقرر نظرية (لافوازيه) المعروفة: أنه لا يوجد شيء من العدم، والموجود لا ينعدم.
ودليل ثان هو:
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً، فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أي وهو الذي بدأ خلق هذا الشجر من ماء، حتى صار خضرا نضرا ذا ثمر يانع، ثم أعاده إلى أن صار حطبا يابسا توقد به النار، ومن قدر على ذلك، فهو قادر على
ما يريد، لا يمنعه شيء، فهذا التحوّل والتقلّب من عنصر الرطوبة إلى عنصر الحرارة، يدل على إمكان إعادة الرطوبة إلى ما كان يابسا باليا. والمشاهد أن شجر السّنط يوقد به النار وهو أخضر.
وقيل: المراد بذلك شجر المرخ والعفار ينبت في أرض الحجاز، فيأتي من أراد قدح نار، وليس معه زناد، فيأخذ عودين أخضرين منهما، ويقدح أحدهما بالآخر، فتتولد النار من بينهما، كالزناد تماما. ومثل ذلك احتكاك السّحب المولّد لشرارة البرق.
ودليل ثالث أعجب مما سبق:
أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى، وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ أي إن من خلق السّموات السّبع بما فيها من الكواكب السّيارة والثّوابت، والأرضين السّبع بما فيها من جبال ورمال وبحار وقفار، وهي أعظم من خلق الإنسان، إن من خلق ذلك قادر على خلق مثل البشر وإعادة الأجسام، وهي أصغر وأضعف من السّموات والأرض، بلى هو قادر على ذلك، وهو الكثير الخلق، الواسع العلم، فقوله الْخَلَّاقُ إشارة إلى كمال القدرة، وقوله الْعَلِيمُ إشارة إلى شمول العلم.
والخلاصة: أن خلق الأشياء العظيمة برهان قاطع على خلق ما دونها، كما قال تعالى: لَخَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ [غافر ٤٠/ ٥٧]، وقال سبحانه: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى؟ بَلى، إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأحقاف ٤٦/ ٣٣].
وتأكيدا للبيان ونتيجة لما سبق، قال تعالى:
إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ أي إنما شأنه سبحانه في إيجاد الأشياء وإرادتها أن يقول للشيء: كُنْ فإذا هو كائن فورا، من غير توقّف على شيء آخر أصلا.
ومقتضى ثبوت القدرة التامة لله تعالى: تنزيهه عما وصفوه به، فقال:
فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي تنزّه الله عما لا يليق به من السوء أو النقص، فهو الذي له ملكية الأشياء كلها، وله القدرة الكاملة على التّصرف فيها كما يريد، وبيده مفاتح كلّ شيء، وإليه لا إلى غيره مرجع العباد بعد البعث في الدار الآخرة، فيجازي كل إنسان بما عمل، فليعبده الناس جميعا وليوحّدوه ويطيعوه، تحقيقا لمصلحتهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
يستنبط من الآيات ما يأتي:
١- عجبا لأمر الإنسان، سواء العاص بن وائل السّهمي، أو أبيّ بن خلف الجمحي (وهو الأصح) أو أمية بن خلف أو غيرهم، كيف خلقه الله من يسير الماء، وأضعف الأشياء، ثم يصبح مخاصما ربّه، مجادلا في الخصومة، مبيّنا للحجة، أي أنه صار بعد أن لم يكن شيئا مذكورا خصيما مبينا. قال أبو حيان:
قبّح تعالى إنكار الكفرة البعث حيث قرر أن عنصره الذي خلق منه هو نطفة ماء مهين خارج من مخرج النجاسة، أفضى به مهانة أصله أن يخاصم الباري تعالى، ويقول: من يحيي الميت بعد ما رمّ مع علمه أنه منشأ من موات.
٢- لقد نسي هذا الإنسان الضعيف المخلوق أن الله أنشأه من نطفة، ثم جعله إنسانا حيّا سويا، فهذا دليل حاضر من نفسه على إمكان البعث، وقد احتج الله عزّ وجلّ على منكري البعث بالنشأة الأولى، فكيف يقول الإنسان: من يحيي هذه العظام البالية؟!
والجواب: أنّ النّشأة الثانية مثل النّشأة الأولى، فمن قدر على النّشأة الأولى قدر على النّشأة الثانية، وأن الله عالم بكلّ الأشياء، سواء الأجسام العظام أو الذّرات الصغار.
٣- في قوله تعالى: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ دليل على أن في العظام حياة، وأنها تنجس بالموت، وهو قول أبي حنيفة، وقال الشافعي:
لا حياة فيها.
٤- من أدلة وحدانيته تعالى وكمال قدرته على إحياء الموتى: ما يشاهده الناس من إخراج المحروق اليابس من العود الندي الطري، فإن الشجر الأخضر من الماء، والماء بارد رطب ضدّ النار، وهما لا يجتمعان، فأخرج الله منه النار، فيدلّ ذلك على أنه تعالى هو القادر على إخراج الضدّ من الضدّ، وهو على كلّ شيء قدير.
٥- إنّ الذي خلق السموات والأرض التي هي أعظم من خلق الناس قادر على أن يبعثهم مرة أخرى.
٦- إذا أراد الله خلق شيء لا يحتاج إلى تعب ومعالجة، وإنما أمره نافذ فورا، ولا يتوقف على شيء آخر.
٧- إن الله تعالى نزّه نفسه عن العجز والشرك، لتعليم الناس، وإبراز الحقيقة، فبيده مفاتح كلّ شيء، ومردّ الناس ومصيرهم بعد مماتهم إليه تعالى، ليحاسب كلّ امرئ على ما قدم في دنياه من خير أو شرّ.
بسم الله الرحمن الرحيم
سورة الصافاتمكيّة، وهي مائة واثنتان وثمانون آية.
تسميتها:
سميت سورة الصافات لافتتاحها بالقسم الإلهي بالصّافات وهم الملائكة الأطهار الذين يصطفّون في السماء كصفوف الناس في الصلاة في الدنيا.
مناسبتها لما قبلها:
تظهر مناسبة هذه السورة لما قبلها من نواح ثلاث:
١- وجود الشبه بين أول هذه السورة وآخر يس السورة المتقدمة في بيان قدرته تعالى الشاملة لكل شيء في السموات والأرض، ومنه المعاد وإحياء الموتى، لأن الله تعالى كما في يس هو المنشئ السريع الإنجاز للأشياء، ولأنه كما في مطلع هذه السورة واحد لا شريك له، لأن سرعة الإنجاز لا تتهيأ إلا إذا كان الخالق الموجد واحدا.
٢- هذه السورة بعد يس كالأعراف بعد الأنعام، وكالشعراء بعد الفرقان في تفصيل أحوال القرون الماضية، المشار إليهم وإلى إهلاكهم في سورة يس المتقدمة في قوله سبحانه: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ [٣١]. صفحة رقم 60
٣- توضح هذه السورة ما أجمل في السورة السابقة من أحوال المؤمنين وأحوال الكافرين في الدنيا والآخرة.
مشتملاتها:
موضوع هذه السورة كسائر السّور المكية في بيان أصول الاعتقاد: وهي التوحيد، والوحي والنبوة، وإثبات البعث والجزاء.
وقد تحدثت عن مغيبات ثلاثة: هي الملائكة، والجنّ، والبعث والجزاء في الآخرة، فابتدأت بالكلام عن الملائكة الصّافات قوائمها أو أجنحتها في السماء استعدادا لتنفيذ أمر الله، والزّاجرات السّحاب لتصريفه كيفما يشاء الله، والذين أقسم الله بهم للدلالة على التوحيد وخلق السموات والأرض، وتزيينها بالكواكب.
ثم أشارت إلى الجنّ ومطاردتهم بالشّهب الثاقبة المرصودة لهذا الغرض، للرّدّ على المشركين الجاهليين الذين زعموا وجود نسب وقرابة بين الله تعالى وبين الجنّ، وأبانت موقف المشركين من البعث وإنكاره وأحوالهم في الدنيا والآخرة، وردت عليهم ردّا قاطعا حاسما بأنهم محشورون في زجرة صيحة واحدة وهم داخرون أذلة صاغرون وأنهم لا يفتنون إلا ذوي العقول الضعيفة، وتوبيخهم على قولهم: الملائكة بنات الله، وتنزيه الله عن ذلك.
وأبانت هذه السورة أيضا سوء أحوال الكافرين في القيامة، وذكرتهم بالحوار الذي دار بينهم وبين المؤمنين في الدنيا، ثم حسمت الأمر ببيان مآل كل من الفريقين، حيث يخلد المؤمنون في الجنة التي وصف نعيمها، ويخلد الكافرون في النار التي وصف جحيمها، للعبرة والعظة وبيان العاقبة.
وناسب هذا الاستعراض التذكير الموجز بقصص بعض الأنبياء السابقين،
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي