وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ استفهام ومعناه التعجب والتشويق إلى استماع القصة والجملة معطوفة على اذكر، والخصم في الأصل مصدر ولذلك يصلح للإطلاق على المثني والمجموع والمراد ههنا متخاصمان وإنما أورد صيغة الجمع في قوله تعالى : إذ تسوروا مجازا كما في قوله تعالى : فقد صغت قلوبكما وهو تفعل من السور كتسنم من السنام ومعناه إذ تصعدوا المحراب أي القلعة سمي محرابا لأنه يحرب عليه أو المراد به المسجد لما أنه يحرب فيه من الشيطان، وجاز أن يكونا جماعة كما يدل عليه الصيغة وضمائر الجمع، وإذ متعلق بمحذوف أي نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا أو بالنبأ على أن المراد به الواقع في عهد داود وأن إسناد أتى إليه على حذف المضاف أي قصة نبأ الخصم أو بالخصم لما فيه من معنى الفعل لا يأتي لأن إتيانه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن حينئذ، وهذه امتحان داود عليه السلام، قال البغوي : اختلف العلماء في سببه ؟ فقال قوم سبب ذلك أنه عليه السلام تمنى يوما من الأيام منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب وسأل ربه أن يمتحنه كما امتحنهم ويعطيه من الفضل ما أعطاهم، فروى السدي والكلبي ومقاتل عن أشياخهم دخل حديث بعضهم في بعض قالوا كان داود قسم الدهر ثلاثة أقسام يوم يقضي بين الناس ويوم يخلو فيه لعبادة ربه ويوم لنسائه وأشغاله، قلت : وأخرج عبد بن حميد وابن جير وابن المنذر عن الحسن أنه جز الدهر أربعة أجزاء فزاد ويوم للوعظ، قالوا وكان داود يجد فيما يقرأ من الكتب فضل إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال يا رب أرى الخير كله قد ذهب به أبائي الذين كانوا من قبلي فأوحى الله إليه أنهم ابتلوا ببلايا لنم تبتل بها فصبروا عليها ابتلى إبراهيم بنمرود وبذبح ابنه وابتلى إسحاق بالذبح وبذهاب بصره وابتلي يعقوب بالحزن على يوسف، فقال يا رب لو ابتليتني بمثل ما ابتليتهم لصبرت أيضا فأوحى الله إليه إنك مبتلى في شهر كذا في يوم كذا فاحترس، فلما كان ذلك اليوم الذي وعده الله دخل داود محرابه وجعل يصلي ويقرأ الزبور فبينا هو كذلك إذ جاءه الشيطان قد تمثل في صورة حمامة من ذهب فيها من كل لون حسن وقيل جناحاه من الدر والزبرجد فوقفت بين رجليه فأعجبه حسنها فمد يده ليأخذها فيريها بني إسرائيل فينظروا إلى قدرة الله تعالى فلما قصد أخذها طارت غير بعيد من غير أن تؤيسه من نفسها فامتد إليها ليأخذها فتنحت فتبعها فطارت حتى وقعت في كوة فذهب ليأخذها فطارت من الكوة فنظر داود أين تقع فيبعث من يصيدها، فأبصر امرأة في بستان على شط بركة لها تغتسل هذا قول الكلبي، وقال السدي رآها تغتسل على سطح لها فرأى امرأة من أجمل النساء خلقا فعجب داود من حسنها وحانت منها إلتفاته فأبصرت ظلة فنقضت شعرها فغطت بدنها فزاده ذلك عجبا فسأل عنها فقيل هي تشائع بنت شائع امرأة أوريا بن حنانا وزوجها في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن أخت داود عليه السلام فذكر بعضهم أنه أحب أن يقتل أوريا ويتزوج امرأته فكان ذنبه هذا القدر.
وذكر بعضهم أنه كتب داود إلى ابن أخته أيوب أن ابعث أوريا إلى موضع كذا وقدمه قبل التابوت وكان من قدم التابوت لا يحل له أن يرجع وراءه حتى يفتح الله على يديه أو يستشهد وقدمه ففتح له فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أيضا أن أبعثه إلى عدو كذا وكذا فبعثه ففتح له فكتب إلى داود بذلك فكتب إليه أيضا أن ابعثه إلى عدو كذا وكذا أشد منه بأسا فبعثه فقتل في المرة الثالثة، فلما انقضت عدة المرأة تزوجها داود فهي أم سليمان عليهما السلام، قال البغوي وعن ابن مسعود أنه قال كان في ذنب داود أنه التمس من الرجل أن ينزل عن امرأته قال أهل التفسير كان ذلك مباحا لهم غير أن الله لم يرض له ذلك لأنه كان رغبة في الدنيا وازدياد النساء وقد أغناهم الله عنها بما أعطاه من غيرها، قال البغوي وروى عن الحسن أنه كان جزأ الدهر أربعة أجزاء كما ذكر عبد بن حميد وغيره وزاد فلما كان يوم وعظ بني إسرائيل يذكرهم ويذاكرونه ويبكيهم ويبكونه فقالوا هل يأتي على إنسان يوم لا يصيب فيه ذنبا فأضمر داود في نفسه أنه سيطيق ذلك وقيل أنهم ذكروا فتنة النساء فأضمر داود في نفسه أنه ابتلي اعتصم فلما كان يوم عبادته غلق أبوابه وأمر أن لا يدخل عليه أحد وأكب على التوراة فبينا هو يقرأ إذ دخلت عليه حمامة من ذهب كما ذكرنا، قال وكان قد بعث زوجها على بعض جيوشه فكتب إليه أن يسير إلى مكان كذا وكذا مكانا إذا سار إليه قتل ففعل فأصيب فتزوج امرأته، قال فلما دخل داود بامرأة أوريا لم يلبس إلا يسيرا حتى بعث الله إليه ملكين في صورة رجلين يوم عبادته فطلبا أن يدخلا عليه فمنعهما الحرس فتسوروا المحراب عليه فما شعر وهو يصلي إلا وهما بين يديه جالسين يقال كانا جبرئيل وميكائيل عليهما السلام.
التفسير المظهري
المظهري