والعامل في إذ في قوله : إِذْ دَخَلُواْ النبأ، أي : هل أتاك الخبر الواقع في وقت تسورهم ؟ وبهذا قال ابن عطية ومكي وأبو البقاء. وقيل : العامل فيه أتاك. وقيل : معمول للخصم. وقيل : معمول لمحذوف، أي : وهل أتاك نبأ تحاكم الخصم. وقيل : هو معمول لتسوروا. وقيل : هو بدل مما قبله. وقال الفراء : إن أحد الظرفين المذكورين بمعنى : لما فَفَزِعَ مِنْهُمْ ، وذلك لأنهما أتياه ليلاً في غير وقت دخول الخصوم، ودخلوا عليه بغير إذنه، ولم يدخلوا من الباب الذي يدخل منه الناس. قال ابن الأعرابي : وكان محراب داود من الامتناع بالارتفاع بحيث لا يرتقي إليه آدمي بحيلة، وجملة : قَالُواْ لاَ تَخَفْ مستأنفة جواب سؤال مقدر كأنه قيل : فماذا قالوا لداود لما فزع منهم ؟ وارتفاع خَصْمَانِ ، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي نحن خصمان، وجاء فيما سبق بلفظ الجمع، وهنا بلفظ التثنية، لما ذكرنا من أن لفظ الخصم يحتمل المفرد، والمثنى، والمجموع، فالكل جائز. قال الخليل : هو كما تقول : نحن فعلنا كذا : إذا كنتما اثنين. وقال الكسائي : جمع لما كان خبراً، فلما انقضى الخبر، وجاءت المخاطبة أخبر الاثنان عن أنفسهما، فقالا : خصمان، وقوله : بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ هو على سبيل الفرض والتقدير، وعلى سبيل التعريض ؛ لأن من المعلوم أن الملكين لا يبغيان. ثم طلبا منه أن يحكم بينهما بالحق، ونهياه عن الجور، فقالا : فاحكم بَيْنَنَا بالحق وَلاَ تُشْطِطْ أي لا تجر في حكمك، يقال : شط الرجل، وأشط شططاً، وإشطاطاً : إذا جار في حكمه. قال أبو عبيد : شططت عليه وأشططت أي جرت. وقال الأخفش : معناه لا تسرف، وقيل : لا تفرط، وقيل : لا تمل.
والمعنى متقارب، والأصل فيه البعد، من شطت الدار : إذا بعدت. قال أبو عمرو : الشطط مجاوزة القدر في كل شيء واهدنا إلى سَوَاء الصراط سواء الصراط : وسطه. والمعنى : أرشدنا إلى الحق، واحملنا عليه.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه وَآتَيْنَاهُ الحكمة قال : أعطي الفهم. وأخرج ابن أبي حاتم، والديلمي عن أبي موسى الأشعري قال : أوّل من قال : أما بعد داود عليه السلام وهو فَصْلٌ الخطاب . وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن الشعبي : أنه سمع زياد بن أبيه يقول : فصل الخطاب الذي أوتي داود : أما بعد. وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف، وابن أبي حاتم عن ابن عباس : أن داود حدّث نفسه إذا ابتلي أنه يعتصم، فقيل له : إنك ستبتلى، وستعلم اليوم الذي تبتلي فيه، فخذ حذرك، فقيل له : هذا اليوم الذي تبتلي فيه، فأخذ الزبور، ودخل المحراب، وأغلق باب المحراب، وأخذ الزبور في حجره، وأقعد منصفاً يعني : خادماً على الباب، وقال : لا تأذن لأحد عليّ اليوم، فبينما هو يقرأ الزبور إذ جاء طائر مذهب كأحسن ما يكون للطير فيه من كل لون، فجعل يدور بين يديه، فدنا منه، فأمكن أن يأخذه، فتناوله بيده ليأخذه، فاستوفز من خلفه، فأطبق الزبور، وقام إليه، ليأخذه فطار، فوقع على كوّة المحراب، فدنا منه ؛ ليأخذه فأفضى، فوقع على خصّ، فأشرف عليه لينظر أين وقع ؟ فإذا هو بامرأة عند بركتها تغتسل من الحيض، فلما رأت ظله حركت رأسها، فغطت جسدها أجمع بشعرها، وكان زوجها غازياً في سبيل الله، فكتب داود إلى رأس الغزاة : انظر أوريا، فاجعله في حملة التابوت، وكان حملة التابوت إما أن يفتح عليهم، وإما أن يقتلوا، فقدّمه في حملة التابوت، فقتل، فلما انقضت عدّتها خطبها داود، فاشترطت عليه إن ولدت غلاماً أن يكون الخليفة من بعده، وأشهدت عليه خمسين من بني إسرائيل، وكتب عليه بذلك كتاباً، فما شعر بفتنته أنه افتتن حتى ولدت سليمان، وشب، فتسوّر عليه الملكان المحراب، وكان شأنهما ما قصّ الله في كتابه، وخرّ داود ساجداً، فغفر الله له، وتاب عليه. وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب قال : ما أصاب داود بعد ما أصابه بعد القدر إلا من عجب، عجب بنفسه، وذلك أنه قال : يا ربّ ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا وعابد من آل داود يعبدك يصلي لك، أو يسبح، أو يكبر، وذكر أشياء، فكره الله ذلك، فقال : يا داود إن ذلك لم يكن إلا بي، فلولا عوني ما قويت عليه، وعزّتي وجلالي لأكلنك إلى نفسك يوماً، قال : يا ربّ فأخبرني به، فأخبر به، فأصابته الفتنة ذلك اليوم. وأخرج أصل القصة الحكيم الترمذي في نوادر الأصول، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن أنس مرفوعاً بإسناد ضعيف. وأخرجها ابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس مطوّلة.
وأخرجها جماعة عن جماعة من التابعين. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود في قوله : إِنَّ هَذَا أَخِى قال : على ديني. وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وأحمد في الزهد، وابن جرير، والطبراني عنه قال : ما زاد داود على أن قال أَكْفِلْنِيهَا . وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : أَكْفِلْنِيهَا قال : ما زاد داود على أن قال : تحوّل لي عنها. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في قوله : وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ يقول : قليل الذي هم فيه، وفي قوله : وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فتناه قال : اختبرناه. وأخرج أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عنه أيضاً : أنه قال في السجود في ص ليست من عزائم السجود، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. وأخرج النسائي، وابن مردويه بسند جيد عنه أيضاً : أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص ، وقال :«سجدها داود، ونسجدها شكراً» وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة : أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في ص . وأخرج ابن مردويه عن أنس مثله مرفوعاً. وأخرج الدارمي، وأبو داود، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن أبي سعيد قال : قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو على المنبر ص ، فلما بلغ السجدة نزل، فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر قرأها، فلما بلغ السجدة تهيأ الناس للسجود، فقال :«إنما هي توبة، ولكني رأيتكم تهيأتم للسجود، فنزل، فسجد». وأخرج ابن مردويه، عن عمر بن الخطاب، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه ذكر يوم القيامة، فعظم شأنه، وشدّته قال :«ويقول الرحمن عزّ وجلّ لداود عليه السلام : مرّ بين يديّ، فيقول داود : يا ربّ أخاف أن تدحضني خطيئتي، فيقول : خذ بقدمي، فيأخذ بقدمه عزّ وجلّ، فيمرّ»، قال :«فتلك الزلفى التي قال الله : فَغَفَرْنَا لَهُ ذلك وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لزلفى وَحُسْنَ مَآبٍ ».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني