قد أدرج إبليس في هذا ميزانين ؛ إذ علل منع السجود بكونه خيرا منه. ثم أثبت الخيرية بأنه خلق من نار، وإذ صرح بجميع أجزاء حجته وجد ميزانه مستقيم التركيب لكن فاسد المادة، وكمال صورته أن يقول : ما خلق من نار خير، والخير لا يسجد، فأنا إذا لا أسجد. فكلا أصلي هذا القياس ممنوع لأنه غير معلوم، والعلوم الخفية توزن بالعلوم الجلية، وما ذكره غير جلي ولا مسلم، إذ نقول له نسلم أنك خير منه، وهذا منع الأصل بالخيرية، لكن ترك إبليس الدلالة على الأصل الثاني، وهو أن اللزوم والاستحقاق بالأمر لا بالخيرية، واشتغل بإقامة الدليل على أنه خير، لأني خلقت من نار. وهذه دعوة الخيرية بالنسب، وكمال صورة دليله وميزانه أن يقول : المنسوب إلى الخير خير. وأنا منسوب إلى الخير فإذا أنا خير.
وكلتا هاتين الكفتين أيضا فاسدة، فإنا لا نعلم أن المنسوب إلى الخير خير، بل الخيرية بصفات الذات لا بالنسب، فيجوز أن يكون الحديد خيرا من الزجاج، ثم يتخذ من الزجاج بحسن الصنعة ما هو خير من المتخذ من المتخذ من الحديد، وكذلك نقول : إبراهيم صلوات الله عليه خير من ولد نوح، وإن كان إبراهيم مخلوقا من آزر وهو كافر، وولد نوح من نبي.
وأما أصله الثاني : وهو أنه مخلوق من خير لأن النار خير من الطين، فهذا أيضا غير مسلم، بل الطين خير لأنه من التراب والماء، وربما يقال : إن بامتزاجهما قوام الحيوان والنبات، وبهما يصل النشوء والنمو، وأما النار فمفسدة ومهلكة للجميع، فقوله : إن النار خير باطل. ( القسطاس المستقيم ضمن المجموعة رقم ٣ ص : ٤٠-٤١ ).
فهذه الموازن صحيحة الصورة، فاسدة المادة، تشبيها بالسيف المتخذ من الخشب، بل هي : كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه ١.
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي الشافعي