وجملة قَالَ فالحق والحق أَقُولُ مستأنفة كالجمل التي قبلها. قرأ الجمهور بنصب الحق في الموضعين على أنه مقسم به حذف منه حرف القسم فانتصب، أو هما منصوبان على الإغراء، أي : الزموا الحق، أو مصدران مؤكدان لمضمون قوله : لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ لأَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ ، وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والأعمش، وعاصم، وحمزة برفع الأوّل، ونصب الثاني، فرفع الأوّل على أنه مبتدأ، وخبره مقدّر، أي : فالحق مني، أو فالحق أنا، أو خبره : لأملأن، أو هو خبر مبتدأ محذوف، وأما نصب الثاني، فبالفعل المذكور بعده أي : وأنا أقول الحق، وأجاز الفراء وأبو عبيد أن يكون منصوباً بمعنى : حقاً لأملأنّ جهنم. واعترض عليهما بأن ما بعد اللام مقطوع عما قبلها. وروي عن سيبويه، والفراء أيضاً : أن المعنى : فالحق أن إملاء جهنم. وروي عن ابن عباس، ومجاهد : أنهما قرأ برفعها، فرفع الأوّل على ما تقدّم، ورفع الثاني بالابتداء، وخبره الجملة المذكورة بعده، والعائد محذوف. وقرأ ابن السميفع، وطلحة بن مصرف بخفضهما على تقدير حرف القسم. قال الفراء : كما يقول الله عزّ وجلّ : لأفعلنّ كذا، وغلطه أبو العباس ثعلب وقال : لا يجوز الخفض بحرف مضمر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن مردويه عن ابن عباس إِذْ يَخْتَصِمُونَ أن الخصومة هي إِذْ قَالَ رَبُّكَ إلخ. وأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي عن ابن عمر قال : خلق الله أربعاً بيده : العرش، وجنة عدن، والقلم، وآدم. وأخرج ابن أبي الدنيا في صفة الجنة، وأبو الشيخ في العظمة، والبيهقي في الأسماء والصفات عن عبد الله بن الحارث قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«خلق الله ثلاثة أشياء بيده : خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس الفردوس بيده»، وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله : فالحق والحق أَقُولُ قال : أنا الحق أقول الحق. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ قال : قل يا محمد مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ما أدعوكم إليه مِنْ أَجْرٍ عرض دنيا. وفي البخاري ومسلم وغيرهما عن مسروق قال : بينما رجل يحدّث في المسجد، فقال فيما يقول : يَوْمَ تَأْتِى السماء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ [ الدخان : ١٠ ] قال : دخان يكون يوم القيامة يأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين كهيئة الزكام، قال : قمنا حتى دخلنا على عبد الله، وهو في بيته، وكان متكئاً، فاستوى قاعداً، فقال : يا أيها الناس من علم منكم علماً، فليقل به، ومن لم يعلم، فليقل الله أعلم، فإن من العلم أن يقول العالم لما لا يعلم : الله أعلم، قال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : قُلْ مَا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ المتكلفين . وأخرج البخاري عن عمر قال : نهينا عن التكلف. وأخرج الطبراني، والحاكم، والبيهقي عن سلمان قال : نهانا رسول الله أن نتكلف للضيف.