ثم ذكر سبحانه مثلاً من الأمثال القرآنية للتذكير والإيقاظ، فقال : ضَرَبَ الله مَثَلاً أي تمثيل حالة عجيبة بأخرى مثلها. ثم بيّن المثل، فقال : رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون قال الكسائي : نصب رجلاً لأنه تفسير للمثل. وقيل : هو منصوب بنزع الخافض، أي ضرب الله مثلاً برجل. وقيل : إن رجلاً هو المفعول الأوّل، و مثلاً هو المفعول الثاني، وأخر المفعول الأوّل ؛ ليتصل بما هو من تمامه، وقد تقدّم تحقيق هذا في سورة «يس »، وجملة : فِيهِ شُرَكَاء في محل نصب صفة لرجل، والتشاكس التخالف. قال الفراء : أي مختلفون. وقال المبرد : أي متعاسرون من شكس يشكس شكساً، فهو : شكس مثل عسر يعسر عسراً، فهو : عسر. قال الجوهري : التشاكس الاختلاف. قال : ويقال رجل شكس بالتسكين، أي صعب الخلق، وهذا مثل من أشرك بالله، وعبد آلهة كثيرة. ثم قال : وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ أي خالصاً له، وهذا مثل من يعبد الله وحده. قرأ الجمهور : سلما بفتح السين واللام، وقرأ سعيد بن جبير، وعكرمة، وأبو العالية بكسر السين، وسكون اللام. وقرأ ابن عباس، ومجاهد، والجحدري، وأبو عمرو، وابن كثير، ويعقوب :" سالماً " بالألف، وكسر اللام اسم فاعل من سلم له، فهو سالم، واختار هذه القراءة أبو عبيد قال : لأن السالم الخالص ضدّ المشترك، والسلم ضدّ الحرب، ولا موضع للحرب هاهنا، وأجيب عنه بأن الحرف إذا كان له معنيان لم يحمل إلا على أولاهما، فالسلم وإن كان ضدّ الحرب، فله معنى آخر بمعنى : سالم، من سلم له كذا : إذا خلص له. وأيضاً يلزمه في سالم ما ألزم به، لأنه يقال : شيء سالم، أي لا عاهة به، واختار أبو حاتم القراءة الأولى. والحاصل أن قراءة الجمهور هي على الوصف بالمصدر للمبالغة، أو على حذف مضاف، أي ذا سلم، ومثلها قراءة سعيد بن جبير ومن معه.
ثم جاء سبحانه بما يدلّ على التفاوت بين الرجلين، فقال : هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ، وهذا الاستفهام للإنكار والاستبعاد، والمعنى : هل يستوي هذا الذي يخدم جماعة شركاء، أخلاقهم مختلفة، ونياتهم متباينة يستخدمه كل واحد منهم، فيتعب وينصب مع كون كل واحد منهم غير راضٍ بخدمته، وهذا الذي يخدم واحداً لا ينازعه غيره إذا أطاعه رضي عنه، وإذا عصاه عفا عنه. فإن بين هذين من الاختلاف الظاهر الواضح ما لا يقدر عاقل أن يتفوّه باستوائهما، لأن أحدهما : في أعلى المنازل، والآخر : في أدناها، وانتصاب مثلاً على التمييز المحول عن الفاعل ؛ لأن الأصل هل يستوي مثلهما، وأفرد التمييز ولم يثنه ؛ لأن الأصل في التمييز الإفراد لكونه مبيناً للجنس، وجملة : الحمد للَّهِ تقرير لما قبلها من نفي الاستواء، وللإيذان للموحدين بما في توحيدهم لله من النعمة العظيمة المستحقة لتخصيص الحمد به. ثم أضرب سبحانه عن نفي الاستواء المفهوم من الاستفهام الإنكاري إلى بيان أن أكثر الناس لا يعلمون، فقال : بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ، وهم المشركون، فإنهم لا يعلمون ذلك مع ظهوره ووضوحه. قال الواحدي، والبغوي : والمراد بالأكثر الكلّ، والظاهر خلاف ما قالاه، فإن المؤمنين بالله يعلمون ما في التوحيد من رفعة شأنه، وعلوّ مكانه، وإن الشرك لا يماثله بوجه من الوجوه، ولا يساويه في وصف من الأوصاف، ويعلمون أن الله سبحانه يستحق الحمد على هذه النعمة، وأن الحمد مختصّ به.
وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ كنا نقول : ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة ؟ فلما كان يوم صفين، وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا : نعم هو هذا.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : والذي جَاء بالصدق يعني : بلا إله إلا الله وَصَدَّقَ بِهِ يعني : برسول الله صلى الله عليه وسلم أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون يعني اتقوا الشرك. وأخرج ابن جرير، والباوردي في معرفة الصحابة، وابن عساكر من طريق أسيد بن صفوان، وله صحبة عن عليّ بن أبي طالب قال : الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وصدّق به أبو بكر. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مثله.
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني