وأول ما يواجهنا في هذا الربع هو تقريع وتوبيخ يوجهه كتاب الله لخصوم الرسالة وأعداء التوحيد، أولئك الذين يفترون على الله الكذب، فينسبون إليه من الصفات والنعوت والشركاء ما هو منزه عنه سبحانه، ثم لا يكتفون بكذبهم وافترائهم على الله، بل يضيفون إليه تكذيب كتبه ورسله دون حياء ولا خجل، وفي إصرار وعناد، فهؤلاء أجرأ خلق الله على الظلم، : ظلم الحق، وظلم الحقيقة، إن الشرك لظلم عظيم ( ١٣ : ٣١ )، وذلك قوله تعالى في صيغة سؤال على وجه التقرير : فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه، أليس في جهنم مثوى للكافرين( ٣٢ ) ، بمعنى أنه لا أحد أشد ظلما من هذا الصنف من الخلق، لأنه جمع بين طرفي الباطل، فقد كذب على الله وكذب رسله، وقال الباطل ورد الحق، وعلى العكس من ذلك أولئك الذين جاءوا بالصدق عن الله، فلم يصفوه سبحانه وتعالى إلا بصفات الكمال، ونعوت الجلال، والذين صدقوهم، فآمنوا بالله وملائكته وكتبه ورسله دون شك ولا جدال، وذلك قوله تعالى : والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون( ٣٣ ) لهم ما يشاءون عند ربهم، ذلك جزاء المحسنين( ٣٤ ) ، فالذي جاء بالصدق ، إشارة إلى الأنبياء والرسل، والذي صدق به ، إشارة لأتباعهم من المؤمنين إلى يوم الدين.
وكما أعلن الحق سبحانه وتعالى في الآية السابقة جزاء الظالمين المكذبين إذ قال : أليس في جهنم مثوى للكافرين ، أعلن في الآية التالية جزاء الصادقين والمصدقين، فقال تعالى : لهم ما يشاءون عند ربهم، ذلك جزاء المحسنين ، وفي هذه الصيغة من دلائل الرضى والإكرام ما يؤكد أن الله سيكرمهم بما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري