ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡ

ثم بيّن سبحانه حال كل فريق من المختصمين، فقال : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فزعم أن له ولداً، أو شريكاً، أو صاحبة وَكَذَّبَ بالصدق إِذْ جَاءهُ ، وهو ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم من دعاء الناس إلى التوحيد، وأمرهم بالقيام بفرائض الشرع، ونهيهم عن محرّماته، وإخبارهم بالبعث والنشور، وما أعدّ الله للمطيع والعاصي. ثم استفهم سبحانه استفهاماً تقريرياً، فقال : أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين أي أليس لهؤلاء المفترين المكذّبين بالصدق، والمثوى : المقام، وهو مشتق من ثوى بالمكان إذا أقام به يثوى ثواء وثوياً، مثل مضى مضاء ومضياً. وحكى أبو عبيد أنه يقال : أثوى، وأنشد قول الأعشى :

أثوى وأقصر ليله ليرودا ومضى وأخلف من قبيلة موعدا
وأنكر ذلك الأصمعي، وقال : لا نعرف أثوى.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج الآجرّي، والبيهقي عن ابن عباس في قوله : غَيْرَ ذِي عِوَجٍ قال : غير مخلوق. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله : ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً الآية قال : الرجل يعبد آلهة شتى، فهذا مثل ضربه الله لأهل الأوثان وَرَجُلاً سَلَماً يعبد إلها واحداً ضرب لنفسه مثلاً. وأخرجا عنه أيضاً في قوله : وَرَجُلاً سَلَماً قال : ليس لأحد فيه شيء. وأخرج عبد بن حميد، والنسائي، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه، عن ابن عمر قال : لقد لبثنا برهة من دهرنا، ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا، وفي أهل الكتابين من قبلنا إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ الآية، حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا. وأخرج نعيم بن حماد في الفتن، والحاكم وصححه، وابن مردويه عنه نحوه بأطول منه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه عنه أيضاً قال : نزلت علينا الآية ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ، وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة، فقلنا : هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه. وأخرج عبد الرّزاق، وأحمد، وابن منيع، وعبد بن حميد، والترمذي وصححه، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في البعث والنشور عن الزبير بن العوّام قال : لما نزلت : إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ قلت : يا رسول الله أيكرّر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواصّ الذنوب ؟ قال :«نعم ليكرّرن عليكم ذلك حتى يؤدى إلى كل ذي حقّ حقه». قال الزبير : فوالله إن الأمر لشديد.
وأخرج سعيد بن منصور، عن أبي سعيد الخدري قال : لما نزلت ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ كنا نقول : ربنا واحد، وديننا واحد، ونبينا واحد، فما هذه الخصومة ؟ فلما كان يوم صفين، وشدّ بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا : نعم هو هذا.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس في قوله : والذي جَاء بالصدق يعني : بلا إله إلا الله وَصَدَّقَ بِهِ يعني : برسول الله صلى الله عليه وسلم أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون يعني اتقوا الشرك. وأخرج ابن جرير، والباوردي في معرفة الصحابة، وابن عساكر من طريق أسيد بن صفوان، وله صحبة عن عليّ بن أبي طالب قال : الذي جاء بالصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وصدّق به أبو بكر. وأخرج ابن مردويه عن أبي هريرة مثله.

فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني

الناشر دار ابن كثير، دار الكلم الطيب - دمشق، بيروت
سنة النشر 1414
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية