تفسير المفردات :
والظلمات الثلاث : ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة، تصرفون : أي يعدل بكم عن عبادته إلى عبادة غيره.
الإيضاح :
وبعد أن ذكر الدلائل التي بثها في العالم العلوي- أردفها ذكر الدلائل التي أودعها في العالم السفلي، وبدأها بخلق الإنسان، لأنه أعجب ما فيه، لما فيه من العقل وقبوله الأمانة الإلهية ولله در من قال :
وتزعم أنك جرم صغير *** وفيك انطوى العالم الأكبر
خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها أي : خلقكم على اختلاف ألسنتكم وألوانكم- من نفس واحدة وهي آدم، ثم جعل من جنسها زوجها وهي حواء، ثم ثنى بخلق الحيوان فقال :
وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج أي : وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج وهي التي ذكرها في سورة الأنعام ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ( الأنعام : ١٤٣ )، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين ( الأنعام : ١٤٤ ) أي ذكر وأنثى لكل منها.
ثم ذكر سبيل خلق ما ذكر من الأناسي والأنعام فقال :
يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق أي : يبتدئ خلقكم أيها الناس في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق، فيكون أحدكم أولا نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يكون لحما وعظما وعصبا، وينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين.
في ظلمات ثلاث أي في ظلمات أغشية ثلاثة جعلها المولى سبحانه وقاية للولد وحفظا له من التعفن قال الدكتور عبد العزيز باشا إسماعيل في كتابه ( الإسلام والطب الحديث ) : يعلمنا القرآن أن الجنين له ثلاثة أغشية سماها ظلمات : هي الغشاء المنباري، والخربون، والغشاء اللقانقي، وهي لا تظهر إلا بالتشريح الدقيق، وتظهر كأنها غشاء واحد بالعين المجردة اه.
وبعد أن ذكر هذه الأفعال العجيبة ذكر موجدها ومنشئها فقال :
ذلكم الله ربكم أي : ذلكم العظيم الشأن الذي عددت أفعاله- هو الله مربيكم فيما ذكر من الأطوار وفيما بعدها، المستحق لتخصيص العبادة به سبحانه.
له الملك على الإطلاق في الدنيا والآخرة.
لا إله إلا هو أي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له.
فأنى تصرفون أي فكيف تصرفون عن عبادته تعالى مع وفور موجباتها ودواعيها، وانتفاء ما يصرف عنها- إلى عبادة غيره سبحانه من غير داع إليها مع كثرة ما يصرف عنها.
والخلاصة : كيف تعبدون معه سواء ؟ أين ذهبت عقولكم ؟ وكيف ضاعت أحلامكم ؟
تفسير المراغي
المراغي