ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

تبين الآيةُ طبيعة خَلْق الإنسان الذي أراده خليفة في الأرض، فقال: خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ هو آدم عليه السلام ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا أي: حواء، ومنهما كانت الذرية وجاء التناسل.
وما دام الله تعالى خلق هذا المخلوق ليكون خليفةً يعمر الأرض فلا بُدَّ أنْ يكونوا من جنس واحد ليتم لهم الإلْف والانسجام وتجمعهم حركة الحياة.
وإلا لو كان هذا الخليفة من أجناس متعددة، فمجموعة مثلاً من الإنس، وأخرى من الجن، وأخرى من الحيوان ما استقامتْ بهم الحياة، ولا تساندتْ حركتهم. إذن: الجنس الواحد تتوفر فيه المودة والإلْف والمحبة والانسجام بين عناصره لأن لكل جنس قانونَهُ ونظامه والتقاءاته ومعاشرته، ولو أن الإنسان خُلِق من أجناس مختلفة لتعذَّر عليه الائتلاف واتحاد الحركة والأنس في المعيشة.
وأيضاً، فإن الخالق سبحانه خلق الإنسان من جنس واحد ليثبت التساوي في الأصل، فلا يكون لأحد مَزيّة على أحد، لأنه خلق من جنس أعلى، وإنما ليكون التفاضل والمزية بمقدار توافق هذا المخلوق مع منهج الله، وهذه القضية أوضحها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث:"لا فضلَ لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى".
والحق سبحانه يقول: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣] يعني: لا فضلَ لأحدكم على الآخر إلا بحسنه فيما يستقبل عن ربه. وإنما تأتي الألوان والأشكال مختلفة لتناسب بيئة المعيشة، فالبيئات الحارة مثلاً يميل أهلها إلى السواد، والبيئات الباردة إلى البياض، كذلك الحال في اختلاف الألسنة بحسب البيئات أيضاً. أما الأصل فنحن جميعاً نُرَدُّ إلى آدم، وآدم خُلِق من تراب، وذريته خُلِقَتْ من بعده بالتكاثر.
حتى في الرسالة قال الله تعالى: لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] يعني: ليس غريباً عنكم، وليس من جنس غير جنسكم، فلم يكُنْ من الملائكة مثلاً مع أنها أعلى درجة إلا أن الرسول الملَك لا تتحقق فيه القدوة والأسوة المرادة من الرسول، كذلك لم يأْتِ فارسياً ولا رومياً يختلف لسانه عن لسانكم، إنما جاء عربياً من أوسطكم، ومن أعظم قبائلكم.
إذن: البشر جميعاً في هذا الكون يعودون إلى نفس واحدة هي آدم عليه السلام، وقد أوضح لنا الحق سبحانه كيف خلق آدم بالشكل المعروف. وقال سبحانه: فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ [الحجر: ٢٩]...
ثم يقول تعالى، وهو يُعدِّد بعض نِعَمه على خَلْقه: وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ وسبق أن قلنا في صدر هذه السورة: إن الإنزال لا تنظر فيه إلى جهة العلو فحسب كما في إنزال المنهج والقيم، إنما ينظر أيضاً إلى المنزل سبحانه، فالإنزال يكون بمعنى الإيجاد، والأنعام من النعم الموجودة في الأرض لكنها من عند مَنْ؟ من عند الله فكأنه أنزلها، والإنزال هنا ناسبه حرف الجر لَكُمْ ولم يقُلْ: عليكم لأن الأنعام شيء منفصل عن الإنسان.
وقد ورد تفصيل هذه الثمانية في سورة الأنعام، ومع أن نِعَم الله علينا كثيرة إلا أنه خَصَّ هنا الأنعام بالذات، لأنها الجنسُ القريب من الإنسان من حيث الخَلْق، بعدها النبات ثم الجماد. وكلمة الزوج. البعض يظن أنها تعني اثنين معاً، وهذا خطأ لأن الزوج تعني: واحد ومعه مثله، ومن ذلك قوله تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات: ٤٩] ومثلها كلمة توأم.
وقوله: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ معنى خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ بيان لأطوار الخلق التي يمر بها الجنين في بطن أمه، فهو يتقلب في بطنها بين ماء مَهِين، يستقر في الرحم نطفة، ثم علقة ثم مضغة، ثم يتكوَّن منها العظام، ثم يكسو العظام لحماً، هذه أطوار الخَلْق المرادة في قوله تعالى: خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ.
قال تعالى: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ [المؤمنون: ١٢-١٤].
هذه هي الأطوار التي يمرُّ بها الإنسان منذ أنْ يصلَ إلى رَحِم الأم، وهذا يعني أن هناك طَوْراً يسبق هذه الأطوار، هو طوْر التقاء عنصر الذكورة بعنصر الأنوثة، أو التقاء الحيوان المنوي بالبويضة وتلقيحها؛ لأنه لا يصل إلى الرحم إلا بويضة مُلقَّحة دخلها ميكروب الذكورة.
وفي سورة الحج بيَّن سبحانه أن المضغة منها مُخلَّقة وغير مُخلَّقة: يٰأَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى [الحج: ٥].
فالمضغة المخلّقة هي الجزء الذي خُلِّقتْ منه الأعضاء والجوارح، وغير المخلَّقة هي الجزء الذي استقر في الجسم بدون تخليق ليظل احتياطياً للجسم... أو صيدلية صيانة، فإذا ما حدث في الجسم عطب قامتْ المضغة غير المخلَّقة بإصلاحه، كما نرى مثلاً في الجروح، فالجرح بعد فترة يندمل وتبني فيه أنسجته حتى تعودَ كما كانت، من أين؟ من المضغة غير المخلَّقة...
فقوله تعالى: يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ أي: الخلق الثاني، فالخَلْق الأول خلق آدم عليه السلام من تراب، وقد أخبرنا الله به، لأن أحداً لم يره، كما قال سبحانه: مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً [الكهف: ٥١].
فإذا طلع علينا مَنْ يقول إن الإنسان أصله قرد تطوَّر إلى إنسان نعلم أنه من المضلِّين الذين أخبرنا الله عنهم، ولا بُدَّ أن نعلم كذبه، والرد على هذا الهراء ميسور، لأن الإنسان إنْ كان متطوراً عن قرد، فلماذا لم تتطور باقي القرود؟ ولماذا على مَرِّ التاريخ كله لم نَرَ قرداً تطور وارتقى حتى إلى ما يقرب من الإنسان.
إذن: هذا كذب وباطل، لأن الخالق سبحانه خلق الأجناس كلها، وجعل من كُلٍّ زوجين اثنين، يتم التكاثر وليتم الانفصال، قال تعالى: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [الذاريات: ٤٩].
وقوله سبحانه: فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ بيان للقرار المكين الذي يستقر فيه الإنسان في بطن أمه، قال تعالى: فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * إِلَىٰ قَدَرٍ مَّعْلُومٍ [المرسلات: ٢١-٢٢] والمكين هو المستقرّ في المكان، فبطن الأم مكان، والجنين في البطن مكين.
ولما تكلم العلماء في معنى الظلمات الثلاث قالوا: هي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة.
وكلمة الظلمة نفهم منها عدة أمور.
أولاً: الظلمة تعني عدم وجود النور، وهي مرتبطة بالليل.
ثانياً: الليل دائماً رطب عن النهار؛ لأن النهار فيه حرارةُ الشمس وحرارةُ الأنفاس الناشئة عن الحركة، أما الأنفاس في الليل فهادئة، لأنها لمجرد استبقاء الحياة، وليست ناشئة عن حركة العمل والجهد المبذول.
ثالثاً: كذلك في الظلمة سكون، وهدوء لا يتوفر في النهار.
إذن: في الظلمة عدم نور، وفيها برودة، وفيها سكون، وهذه الأمور الثلاثة ضرورية لنمو الجنين، وتكوُّن أعضائه في بطن أمه، لأنه في بطن أمه خلْقٌ ضعيف غير مكتمل الأعضاء والجوارح، لا يَقْوى على تحمُّل الحرارة، ولا تحمُّل الضوء، ولا تحمُّل الأصوات المزعجة، لذلك جعل له الخالق سبحانه عوازلَ تقيه هذه الأشياء، لذلك قال سبحانه: فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ.
والأقرب للصواب أن هذه الظلمات الثلاثة في الرحم وليس منها ظلمة البطن؛ لأن الحق سبحانه يُحدِّثنا عن القرار المكين الخاص بالجنين، فيقول: فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُـمْ بيان للظرف العام الذي يقع فيه الظرف الخاص بالجنين وهو الرحم، فالبطن ظرف كبير يحوي الرحم والأمعاء والمعدة والكبد والطحال والبنكرياس.. إلخ لذلك حدد الظرف الخاص بالجنين فقال بعدها: فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ.
إذن: الظلمات الثلاث عبارة عن عوازل وأغشية تحمي الطفل، وكلها داخل الرحم، وإذا كان الإنسان المكتمل الناضج تزعجه الأصوات، وربما أتلفت طبلة أذنه مثلاً، وتؤذيه الأضواء العالية، حتى لا يَقْوى نظره على مواجهتها، فهل يطيق الجنين مثل هذه الأشياء، وهو لم تكتمل أعضاؤه بعد؟
ومعلوم أن الطفل يُولد بجلد رقيق لا يتحمل الحرارة، ويُولد ولم تكتمل فيه بعض الأعضاء والجوارح، فالجهاز العصبي مثلاً لا يكتمل إلا بعد عدة سنوات، والجهاز العقلي لا ينضج إلا بعد سِنِّ البلوغ، والعين لا تؤدي مهمتها في الرؤية إلا بعد ثلاثة أيام.
فالجنين يحتاج إلى حماية؛ لذلك جعله الله في ظرف داخل ظرف داخل ظرف، كما أنك تجعل أوراقك المهمة مثلاً في ملف، والملف في الخزينة، والخزينة في غرفة، فقوله فِي دليل على العناية بهذا المخلوق، وتوفير ما يناسبه من الظروف المحيطة به.
وقوله سبحانه: ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ [الزمر: ٦] كلمة ذَٰلِكُمُ [الزمر: ٦] عبارة عن اسم الإشارة (ذا) وضمير المخاطبين، والإشارة هنا للحق -تبارك وتعالى...
وجاءت هذه الإشارة إلى الحق سبحانه بعد أنْ تكلم عن بعض أسراره في خَلْق الإنسان، وعن الظلمات الثلاث في رحم الأم، وكلها في مجال الخَلْق والتربية والتكوين الأول للإنسان، وهذه المسألة يناسبها صفة الربوبية التي تتولى الخَلْق والتربية، فالربُّ هو الخالق وهو المربّي، أما كلمة الله فهي للألوهية، والألوهية تكليف، لأن الله يعني المعبود بطاعة أوامره واجتناب نواهيه، والجنين في بطن الأم بعيد عن مسألة التكليف، فلماذا اختار هنا وفي هذا المقام لفظ الألوهية (الله) فقال: ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ.
ولم يقل: ذلكم ربكم الله- كما يقول بعض المستشرقين؟
قالوا: لنفهم أنه سبحانه لا يخلقنا ولا يربينا لنكون مثل الدواب في الكون، إنما يخلقنا ويُربينا لهدف ولمنهج تكليفي نسير عليه؛ ذلك ليجعلنا نأنس بكلمة الله قبل كلمة رب، وفي هذا إشارة إلى أن الهدفَ من التكليف صلاح المجتمع وصلاحكم فيما بينكم، فالخالق سبحانه لم يخلقنا عبثاً ولم يتركنا هَمَلاً وخلْقاً ضائعاً لا هدفَ له.
لذلك في صدر سورة الرحمن يُبيِّن الحق سبحانه أن تعليمَ المنهج قبل تكوين الخَلْق، وأن الخَلْق لا يُعَدُّ نعمة إلا إذا تَمَّ في ظل منهج الخالق، فصاحب الصنعة لا بُدَّ أنْ يحدد مهمتها قبل أنْ يصنعها، قال تعالى: الرَّحْمَـٰنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنسَانَ * عَلَّمَهُ البَيَانَ [الرحمن: ١-٤].
وقوله تعالى: لَهُ الْمُلْكُ مادة (ملك) منها المُلك والملك والملكوت: المِلْك بالكسر هو ما تملكه ولو كان يسيراً، والمُلْك بالضم أنْ تملك مَنْ يملك، والمِلك والمُلك في عالم المشاهدة، أما الملكوت فهو ما لا نشاهده من مُلْك الله، ولا يُطلع الله عليه إلا مَنْ اصطفاه من أنبيائه ورسله وأهل طاعته ممَّنْ صفَتْ فطرتهم الإيمانية وسَلِمَ لهم جهاز الاستقبال عن الله، هؤلاء يُطلِعهم الله على بعض ملكوته، لذلك لما وفَّى سيدنا إبراهيم وأذعن لأمر ربه أراه هذا الملكوت: وَكَذَلِكَ نُرِيۤ إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَٰوَٰتِ وَالأَرْضِ.. [الأنعام: ٧٥].
ومثل مُلك وملكوت نقول: رحمة ورحموت، ورهبة ورهبوت.
ومعنى لَهُ الْمُلْكُ.. يعني: إنْ كنتم قد شهدتم مُلْكاً واسعاً فاعلموا أنه لمن خلقكم، ومن العجيب أنه مخلوق من أجلكم أنتم وقد خلقه الله لكم قبل أنْ يخلقكم؛ لأن الإنسان الأول طرأ على كَوْن مُعَدٍّ لاستقباله بكل ما يلزمه من مُقوِّمات الحياة بدايةً من الأرض والسماء والشمس والقمر والنجوم إلى أصغر شيء في الكون.
وقوله بعدها: لاۤ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ.. يعني: أن هذا الخَلْق العجيب لله وحده ولم يَدَّعه أحد لنفسه، وما دام أن أحداً لم يدَّع الخَلْقَ لنفسه فليس لأحد أنْ يدَّعي أنه واضح المنهج الذي يعيش به الإنسانُ في الكون؛ لأن الذي خلق هو الذي يضع المنهج، والذي صنع هو الذي يضع قانون الصيانة لصنعته.
فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ أي: كيف تنصرفون عن عبادة الله الخالق إلى عبادة غيره ممن ليس لهم من الخَلْق شيء؟ كيف تنصرفون عن ربٍّ خلق وربَّى ولا يزال فلم يتركنا ولم يسلم خَلْقه لأحد غيره، وليس عنده استعداد لأنْ يسلمه أبداً.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير