ﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ

ثم ذكر مآل أهل التكذيب والصدق، فقال :
وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ * وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْاْ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ السُّواءُ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ .
يقول الحق جلّ جلاله : ويومَ القيامة ترى الذين كَذَبوا على الله ، بأن وصفوه بما لا يليق بشأنه، كاتخاذ الولد والشريك ونفي الصفات عنه، وجُوهُهُم مسودةٌ بما ينالهم من الشدة والكآبة. والجملة : حال، على أن الرؤية بصرية، أو : مفعول ثان لها، إن كانت علمية. أليس في جهنم مَثْوىً أي : مقام للمتكبرين عن الإيمان والطاعة، وهو إشارة إلى قوله : واستكبرت ، ولا ينافي إشعاره بأن تكبرهم علة لاستحقاقهم النار أن يكون دخولهم فيها ؛ لأجل أن كلمة العذاب حقَّتْ عليهم ؛ لأن كبرهم مسبب عنها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : ويوم القيامة ترى الذين كَذَبوا على الله، بالدعاوى الباطلة، من القلوب الخاوية، فكل مَن ادعى حالاً ليست فيه، أو : مرتبة لم يتحققها، فالآية تجر ذيلها عليه، واسوداد وجوههم بافتضاحهم.
قال القشيري : هؤلاء الذين ادَّعوا أحوالاً، ولم يَصْدُقُوا فيها، وأظهروا المحبةَ لله، ولم يتحققوا بها، وكفى بهم ذلك افتضاحاً، وأنشدوا١ :
ولما ادَّعَيْتُ الحُبَّ قالت : كَذَبْتَني *** فما لي أرى الأعضاء منك كواسيا ؟
فما الحُبُّ حتى تنزفَ العينُ بالبكا *** وتخرسَ حتى لا تجيب المناديا
وينجي الله الذين اتقوا شهود السِّوى من كل مكروه، بسبب مفازتهم بمعرفة الله في الدنيا، لا يمسهم السوء، أي : غم الحجاب، لرفعه عنهم على الدوام، ولا هم يحزنون على فوات شيء ؛ إذ لم يفتهم شيء ؛ حيث فازوا بالله، " ماذا فَقَد من وجدك " ؟
قال الورتجبي : بمفازتهم : ما كان لهم في الله في أزل أزله، من محبتهم، وقبولهم بمعرفته، وحسن وصاله، ودوام شهود كماله. لا يمسهم السوء : لا يلحقهم، فلا يلحق بهم في منازل الامتحان، تفرقة عن مقام الوصلة، وحجاب عن جمال المشاهدة، انظر تمامه. وحاصله : فازوا بإدراك السعادة الأزلية. وعن جعفر الصادق : بمفازتهم : بسعادتهم القديمة، يعني لقوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا الْحُسْنَى [ الأنبياء : ١٠١ ]... الآية. قاله المحشي الفاسي.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير