ثم أجاب الله سبحانه عن قولهم هذا بقوله : ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ أي ذلك الذي أنتم فيه من العذاب بسبب أنه إذا دعي الله في الدنيا وحده دون غيره كفرتم به وتركتم توحيده وَإِن يُشْرَكْ بِهِ غيره من الأصنام أو غيرها تُؤْمِنُواْ بالإشراك به، وتجيبوا الدّاعي إليه، فبيّن سبحانه لهم السبب الباعث على عدم إجابتهم إلى الخروج من النار، وهو ما كانوا فيه من ترك توحيد الله، وإشراك غيره به في العبادة التي رأسها الدّعاء، ومحل ذلكم الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي الأمر ذلكم، أو مبتدأ خبره محذوف، أي ذلكم العذاب الذي أنتم فيه بذلك السبب، وفي الكلام حذف، والتقدير : فأجيبوا بأن لا سبيل إلى الرّدّ، وذلك لأنكم كنتم إذا دعي الله إلخ فالحكم للَّهِ وحده دون غيره، وهو الذي حكم عليكم بالخلود في النار، وعدم الخروج منها، و العلى المتعالي عن أن يكون له مماثل في ذاته ولا صفاته، و الكبير الذي كبر عن أن يكون له مثل أو صاحبة أو ولد أو شريك.
وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله : يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأعين وَمَا تُخْفِى الصدور قال : الرجل يكون في القوم، فتمرّ بهم المرأة، فيريهم أنه يغضّ بصره عنها، وإذا غفلوا لحظ إليها، وإذا نظروا غضّ بصره عنها، وقد اطلع الله من قلبه أنه ودّ أن ينظر إلى عورتها.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الشعب عنه في الآية قال : إذا نظر إليها يريد الخيانة أم لا وَمَا تُخْفِى الصدور قال : إذا قدر عليها أيزني بها أم لا ؟ ألا أخبركم بالتي تليها والله يَقْضِى بالحق قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة، وبالسيئة السيئة. وأخرج أبو داود، والنسائي، وابن مردويه عن سعد قال : لما كان يوم فتح مكة أمن النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلا أربعة نفر وامرأتين، وقال :«اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، فاختبأ عند عثمان بن عفان، فلما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به. فقال : يا رسول الله بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثاً كل ذلك يأبى بيعته، ثم بايعه، ثم أقبل على أصحابه، فقال :«أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني كففت يدي عن بيعته، فيقتله ؟» فقالوا : ما يدرينا يا رسول الله ما في نفسك هلا أومأت إلينا بعينك ؟، فقال :«إنه لا ينبغي لنبي أن يكون له خائنة الأعين».
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني