قوله تعالى :«رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ » فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون مبتدأ والخبر «ذو العرش » و«يُلْقِي الروح » يجوز أن يكون خبراً ثانياً، وأن يكون حالاً، ويجوز أن يكونَ الثلاثة أخباراً لمبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون الثلاثة أخباراً لقوله هُوَ الذي يُرِيكُمْ (١) قال الزمخشري : ثلاثة أخبار يجوز أن تكون مترتبة على قوله هو الذي يريكم أو أخبار مبتدأ محذوف وهي مختلفة تعريفاً وتنكيراً(٢)، قال شهاب الدِّين : أما الأول ففيه طول الفصل وتعدد الأخبار، وليست في معنى خبر واحد، ( وأما(٣) الثاني ففيه تعدد الأخبار وليس في معنى واحد ) وهي مسألة خلاف ولا يجوز أن يكون «ذُو العَرْشِ » صفة «لِرَفيعِ الدرجات » إن جعلناه صفة مشبهة، أما إذا جعلناه مثال مبالغة أي يرفع درجات المؤمنين فيجوز ذلك على أن يجعل إضافته محضة، وكذلك عند من يُجَوِّزُ تَمَحُّضَ إضافة الصفة المشبهة أيضاً(٤). وقد تقدم، وقرئ «رَفِيعَ »(٥) بالنصب على المدح.
فصل
لما ذكر من صفات كبريائه كونه مظهراً للآيات منزلاً للأرزاق ذكر في هذه الآية ثلاثة أخرى من صفات الجلال والعظمة وهو قوله رفيع الدرجات وهذا يحتمل أن يكون المراد منه الرافع وأن يكون المراد منه المرتفع، فإن حملناهُ على الأول ففيه وجوه :
الأول : أن الله يرفع درجات الأنبياء والأولياء في الجنة.
والثاني : يرفع درجات الخلق في العلوم والأخلاق الفاضلة فجعل لكل أحد من الملائكة درجةً معيّنة كما قال : وَمَا مِنَّآ إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ [ الصافات : ١٦٤ ]، وجعل لكل أحد من العلماء درجة معينة فقال تعالى : يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ [ المجادلة : ١١ ] وعين لكل جسم درجةً معينة فجعل بعضها سُفْليّة كدرة، وبعضها فلكية كوكبية، وبعضها من جواهر العرش والكرسي، وأيضاً جعل لكل واحد مرتبة معينة في الخَلْقِ والخُلُقِ والرزق والأجل فقال : وَهُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأرض وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ [ الأنعام : ١٦٥ ] وجعل لكل أحد من السعداء والأشقياء في الدنيا درجة معينة من موجبات السعادة وموجبات الشقاوة وفي الآخرة تظهر تلك الآثار. وإن جعلنا «الرفيع » على «المرتفع » فهو سبحانه أرفع الموجودات في جميع صفات الكمال والجلال. وقوله «ذُو العرْشِ » أي خالقه ومالكه ومدبره، و «يُلْقِي الرُّوح » أي ينزل الوحي من السماء روحاً لأنه تحيا به القلوب كما تحيا الأبدان بالأرواح(٦) وقوله «مِنْ أَمْرِهِ » متعلق ب «يُلْقِي »، و«مِنْ » لابتداء الغاية، ويجوز أن يكون متعلقاً بمحذوف على أنه حَالٌ من «الروح »(٧).
فصل
قال ابن عباس رضي الله عنهما : معنى من أمره أي من قضائه، وقيل : من قوله. وقال مقاتل بأمره على من يشاء من عباده(٨). وقوله : لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق العامة على بنائه للفاعل، ونصب اليوم والفاعل هو الله تعالى أو الروح أو «مَنْ يَشَاءٍَُ » : أو الرسول، ونصب » «اليوم » «إما على الظرفية والمُنْذَرُ به محذوف تقديره لينذر العذابُ يوم التلاقي، وإما المفعول به اتساعاً في الظرف(٩) وقرأ أبيّ وجماعة كذلك إلا أنه رفع اليوم(١٠) على الفاعلية مجازاً أي لينذر الناس العذاب يوم التلاق. وقرأ الحسن واليمانيّ «لتنذر » بالتاء من فوق(١١) وفيه وجهان :
أحدهما : أن الفاعل ضمير المخاطب وهو الرسول صلى الله عليه وسلم.
والثاني : أن الفاعل ضمير الروح فِإنها مؤنثة على رأيٍ.
وقرأ اليماني أيضاً «لينذر(١٢) » مبنياً للمفعول «يوم » بالرفع وهي تؤيد نصبه في قراءة الجمهور على المفعول به اتساعاً. وأثبت ياء «التلاق » وصلاً ووقفاً ابن كثير، وأثبتها في الوقف دون الوصل من غير خلاف ورشٌ، وحذفها الباقون وصلاً ووقفاً إلا قَالُونُ، فإنه روي عنه وجهان، وجهٌ كورشٍ، ووجه كالباقين، وكذلك هذا الخلاف بعينه جارٍ في «يَوْم التَّنَادِ(١٣) ». وقد تقدم توجيه هنذه الوجهين في الرَّعْد في قوله : الكبير المتعال (١٤) [ الرعد : ٩ ].
٢ كشاف الزمخشري ٣/٤١٩..
٣ ما بين القوسين كله سقط من ب بسبب انتقال النظر والفقرة بكاملها في الدر المصون ٤/٦٨٠، ٦٨١..
٤ الدر المصون ٤/٦٨١..
٥ نقلت في البحر والكشاف بدون نسبة لمن قرأ بها وأجازها الأخفش في معانيه عربية ولم يحكها قراءة انظر البحر ٧/٤٥٤ والكشاف ٣/٤١٧ ومعاني الأخفش، وانظر أيضا الجامع لأحكام القرآن ١٥/٢٢٩ وإعراب القرآن للنحاس ٤/٢٨ والدر المصون ٤/٦٨١..
٦ الرازي ٢٧/٤٢، ٤٣..
٧ الدر المصون ٤/٦٨١ والتبيان ١١١٦..
٨ البغوي والخازن في تفسيريهما ٦/٩١..
٩ أورد هذه الإعرابات شهاب الدين السمين في الدر المصون ٤/٦٨١..
١٠ نقلها الزمخشري في الكشاف ٣/٤١٩ وأبو حيان في البحر ٧/٤٥٥..
١١ السابقين وانظر مختصر ابن خالويه ١٣٢ وانظر هذه القراءات أيضا كلها في الدر المصون ٤/٦٨١، وانظر قراءة الخطاب في معاني القرآن وإعرابه للزجاج ٤/٣٦٩..
١٢ ذكرها البحر المحيط في ٧/٤٥٥ نقلا عن صاحب اللوامح أبي الفضل الرازي كما ذكرها السمين في الدر المصون ٤/٦٨١..
١٣ ذكر صاحب الإتحاف والسبعة هذه التفصيلات فهي قراءات متواترة. انظر الإتحاف ٣٧٨ والسبعة ٥٦٨ وانظر الدر المصون المرجع السابق..
١٤ وبين هناك: وقف ابن كثير وأبو عمرو في رواية على ياء "المتعال" وصلا ووقفا بينما حذفها الباقون وصلا ووقفا لحذفها في الرسم. وانظر اللباب ٤/١٢٧ ب..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود