ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ

هـ- كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ أي كما طبع الله على قلوب هؤلاء المجادلين في آيات الله بالباطل من غير حجة ولا برهان، كذلك يختم الله على جميع قلوب المتكبرين الجبابرة، حتى لا تعقل الرشاد ولا تقبل الحق.
- ٣- بحث فرعون عن إله موسى استهزاء به وإنكارا لرسالته
[سورة غافر (٤٠) : الآيات ٣٦ الى ٣٧]
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ (٣٦) أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبابٍ (٣٧)
الإعراب:
أَسْبابَ السَّماواتِ بدل من الْأَسْبابَ الأولى. فَأَطَّلِعَ بالنصب جواب لَعَلِّي بالفاء، بتقدير «أن»، ويقرأ بالرفع عطفا على لفظ أَبْلُغُ.
المفردات اللغوية:
فِرْعَوْنُ ملك القبط في مصر. يا هامانُ وزير فرعون. صَرْحاً بناء ضخما عاليا كالأبراج العالية اليوم. الْأَسْبابَ الطرق الموصلة إلى المطلوب، جمع سبب: وهو ما يتوصل به إلى شيء كحبل وسلّم وطريق، والمراد هنا: الأبواب. فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى أنظر إليه، متأثرا بدين المشبهة الذين يعتقدون أن الله في السماء لا أنه سمع ذلك من موسى عليه السلام، قال البيضاوي: ولعله أراد أن يبني له مرصدا في موضع عال يرصد منه أحوال الكواكب التي هي أسباب سماوية تدل على الحوادث الأرضية، فيرى هل فيها ما يدل على إرسال الله إيّاه، أي موسى.
وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً لأظن موسى كاذبا في دعوى الرسالة أو في ادّعاء إله غيري، قال

صفحة رقم 121

فرعون ذلك تمويها. وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ أي ومثل ذلك التزيين، زين له الشرك والتكذيب. وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ صدّ عن سبيل الرشاد وطريق الهدى. تَبابٍ خسار وهلاك، ومنه قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [اللهب ١١١/ ١] وقوله سبحانه:
وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ [هود ١١/ ١٠١].
المناسبة:
بعد وصف فرعون بأنه متكبر جبار، أخبر الله تعالى عن عتوه وتمرده وافترائه في تكذيب موسى عليه السلام، حتى بلغ به الأمر أن أمر وزيره ببناء قصر عال منيف شاهق من الآجر، ليصعد به إلى السماء، للاطلاع على إله موسى، قاصدا بذلك التحدي والتمويه، والاستهزاء بموسى وإنكار رسالته.
التفسير والبيان:
وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً، لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ، أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى، وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً أي قال فرعون الملك لوزيره هامان بعد سماع دفاع الرجل المؤمن عن موسى: يا هامان، ابن لي قصرا مشيدا منيفا عاليا، لعلي أصل إلى أبواب السماء وطرقها، فإذا وصلت إليها بحثت عن إله موسى. وهو لا يريد بذلك إلا الاستهزاء منه، وإنكار رسالته. ثم أكّد ذلك بقوله: وإني لأظن موسى كاذبا في ادّعائه بأن له إلها غيري، وأنه أرسله إلينا.
وقد قصد بذلك التمويه والتلبيس على قومه، من أجل إبقائهم في الكفر، واعتقادهم بأنه هو الإله، والاستخفاف بعقولهم، وإيهامهم بما يريد.
وهذا تصريح من فرعون بتكذيب موسى عليه السلام في أن الله أرسله إليه، كما قال تعالى:
وَكَذلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ، وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ، وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا

صفحة رقم 122

فِي تَبابٍ
أي ومثل ذلك التزيين المفرط في الحماقة والبلادة والغباوة، زيّن لفرعون الجبار سوء عمله وقبح صنعه، من الشرك والتكذيب، فتمادى في الغي، واستمر على الطغيان، أي زيّن له الشيطان عمله السيء، فصده عن سبيل الهدى والرشاد، وحجبه عن طريق الحق والعدل والسداد، وما كان كيده واحتياله وعمله الذي يوهم به الناس إلا في خسار وضياع مال، لذهاب نفقته سدى دون التوصل إلى شيء مما أراد.
والخلاصة: أن فعل فرعون وأمثاله صنيع المكذبين الضالين، وأن عاقبة كفرهم وضلالهم وتكذيبهم الهلاك والخسران، وأن تدبير فرعون الذي دبّره ليصرف الناس عن الإيمان بموسى عليه السلام مبدّد ضائع لا فائدة فيه.
فقه الحياة أو الأحكام:
تدلّ هذه الآيات على نوع من التمويه والمكر والخداع الذي لجأ إليه فرعون، لإنكار ألوهية الله ووجوده، وتكذيب رسالة موسى عليه السلام، لما خاف أن يتمكن كلام الرجل المؤمن في قلوب القوم، وقد أدرك قوة حجته، وأصالة فكره، وسلامة منطقه.
أوهم الناس أنه يمتحن ما جاء به موسى من التوحيد، فإن نجح تحقق غرصه، وإن خاب ثبّتهم على دينهم، فأمر هامان ببناء الصّرح. ونحن نثق بوجود هذا الوزير في عهد فرعون، وإن لم يعرف هذا الاسم في تاريخ الفراعنة، لأن كلام الله تعالى حجة قطعية.
وأغلب المفسرين الظاهريين على أن فرعون قصد فعلا بناء الصرح ليصعد إلى السماء، فيرى إله موسى إن كان موجودا، وإلا أخبر قومه بعدم وجوده، وأنه هو الإله والرّب الأعلى. واستبعد الرازي على فرعون الذكي الحاكم القوي لجوءه إلى

صفحة رقم 123

مثل ذلك، لأن كل عاقل يعلم ببديهة عقله أنه يتعذر في قدرة البشر وضع بناء يكون أرفع من الجبل العالي. والراجح أن فرعون كان من الدهرية، وغرضه من هذا الكلام إيراد شبهة تشغل الناس في نفي الإله الخالق الصانع. وكأنه يقول: لو كان إله موسى موجودا لكان له محل، ومحله إما الأرض وإما السماء، وإذا لم نره في الأرض، فهو في السماء، والسماء لا يتوصل إليها إلا بسلّم، فيجب بناء صرح للوصول إليه.
وأبطل الرازي هذه الشبهة، لأن طرق العلم بالأشياء ثلاثة: الحس، والخبر، والنظر، ولا يلزم من انتفاء طريق واحد هو الحس، انتفاء المطلوب، وذلك لأن موسى عليه السلام كان قد بيّن لفرعون أن الطريق إلى معرفته تعالى إنما هو الحجة والدليل، كما قال: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ [الشعراء ٢٦/ ٢٦]، رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [الشعراء ٢٦/ ٢٨] إلا أن فرعون لخبثه ومكره تغافل عن ذلك الدليل «١».
ولقد توهم فرعون أن الله في السماء، فهذا دين المشبّهة، ولعله كان على دينهم، فهو إنما ذكر هذا الاعتقاد من قبل نفسه، لا لأجل أنه قد سمعه من موسى عليه السلام. وربما فهم خطأ من قول موسى عليه السلام: رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أنه ربّ السموات بمعنى كونه فيها، كما يقال: ربّ الدار بمعنى كونه ساكنا فيها. وأما عقيدتنا فهي كما أخبر الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي فِي السَّماءِ إِلهٌ، وَفِي الْأَرْضِ إِلهٌ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ [الزخرف ٤٣/ ٨٤].
ويتلخص أمر فرعون في أن الشيطان زيّن له عمله وهو الشرك والتكذيب، فصده عن سبيل الحق والرشاد، وأصبح كيده واحتياله في دمار وخسران وضلال.

(١) تفسير الرازي: ٢٧/ ٦٥- ٦٦

صفحة رقم 124

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية