ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮ ﰿ

ثم ذكر فضله المتعلق بالمكان، بعد بيان فضله المتعلق بالزمان، فقال : الله الذي جعل لكم الأرضَ قراراً ؛ مستقراً تستقرون عليها بأقدامكم ومساكنكم، والسماء بناءً ؛ سقفاً فوقكم، كالدنيا بيت سقفه السماء، مزيّناً بالمصابيح، وبساطه الأرض، مشتملة على ما يحتاج إليه أهل البيت. وصوَّركم فأحسنَ صُورَكم ، هذا بيان لفضله المتعلق بالأجسام، أي : صوّركم أحسن تصوير، حيث جعلكم مُنتصِبَ القامة، باديَ البشرة، متناسب الأعضاء والتخطيطات، متهيئاً لمناولة الصنائع واكتساب الكمالات. قيل : لمْ يخلق الله حيواناً أحسن صورة من الإنسان. ورزقكم من الطيبات أي : اللذائذ، ذلكم الله ربكم أي : ذلكم المنعوت بتلك النعوت الجليلة، هو المستحق للربوبية، فتبارك الله أي : تعالى بذاته وصفاته ربُّ العالمين أي : مالكهم ومربيهم، والكل تحت قدرته مفتقر إليه في إيجاده وإمداده ؛ إذ لو انقطع إمداده لانْهَدَ الوجود.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الله هو الذي جعل ليل القبض لتسْكنوا فيه عند الله، ونهار البسط لتُبصروا نعم الله، فتشكروا لتبتغوا زيادة فضله، وجعل أرض النفوس قراراً لقيام وظائف العبودية، وسماء الأرواح مرقى لشهود عظمة الربوبية. قال القشيري : سكونُ الناس بالليل ـ أي : الحسي ـ على أقسام : فأهل الغفلة يسكنون مع غفلتهم، وأهل المحبة يسكنون بحكم وصلتهم، فشتّان بين سكون غفلةٍ، وسكونِ وصلة، وقومٌ يسكنون إلى أمثالهم وأشكالهم، وقومٌ إلى حلاوة أعمالهم، وبسطهم، واستقبالهم، وقومٌ يعدِمون القرار في ليلهم ونهارهم ـ أي : لا يسكنون إلى شيء ـ أولئك أصحابُ الاشتياق، أبداً في الإحراق هـ.
وقوله تعالى : وصَوَّرَكُم أي : صَوَّر أشباحكم، فأحسن صورتها، حيث بهَّجها بأنوار معرفته. قال الورتجبي : فأحْسن صُوَرَكم بأن ألبستكم أنوار جلالي وجمالي، واتخاذِكم بنفسي، ونفخت من روحي فيكم، الذي أحسن الهياكل مِن حسنه، ومِن عكْس جماله، فإنه مرآة نوري الجلي للأشباح. هـ. قال القشيري : خَلَقَ العرشَ والكرسي والسماواتِ والأرض، وجميع المخلوقات، ولم يقل في شيء منها : فأحسن صورها، بل قاله لمّا خلق هذا الإنسان، وليس الحَسَنَ ما يستحسنه الناسُ، ولكن الحسنُ ما يستحسنه الحبيبُ، وأنشدوا٢ :

مَا حَطَّكَ الْوَاشُونَ عَن رُتبةٍ عنْدِي، ولاَ ضَرَّكَ مُغْتَابُ
كأَنَّهم أَثْنَوْا ولَمْ يَعْلَمُوا عَلَيْكَ عِنْدِيَ بِالَّذِي عَابوا
لم يَقُلْ للشمس في عُلاها، ولا للأقمار في ضيائها :( فأَحسنَ صُوَرَكم ) ولما انتهى إلينا قال : لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [ التين : ٤ ]. ثم قال : وكما أحسن صُوركم محى من ديوانكم الزلاّت، وأثبت الحسنات، قال الله تعالى : يَمْحُواْ اللهُ مَا يَشَآءُ يُثْبِتُ [ الرعد : ٣٩ ] هـ.
قوله تعالى : ورزقكم من الطيبات لذيذ المشاهدة، وأنس الوصلة. وقوله تعالى : هو الحي الحياة عند المتكلمين لا تتعلق بشيء، وعند الصوفية تتعلق بالأشياء ؛ إذ لا قيام لها إلا بأسرار معاني ذاته، ومَن تحققت حياته من الأولياء بحياة الله، بحيث كان له نور يمشي به في الناس، كان كل مَن لقيه حييت روحه بمعرفة الله، ولذلك يضم الشيخُ المريدَ إليه، إن رآه لم ينهض حاله، ليسري حاله فيه، يأخذون ذلك من ضم جبريل للنبي عليهما السلام. وبالله التوفيق.

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير