وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين( ١٠ ) .
وأقرّ الله تعالى الأرض وأرساها بالجبال الثوابت المنتشرة على سطحها ؛ وفي ذلك آية على وحدانيته، وبرهان على حكمته، كما هي من فيض آلائه ونعمته : وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم.. ١ إذ اضطراب حملها واختلاف أثقالها إنما يكون عند ذهاب الكون وانتهاء الحياة : يوم يكون الناس كالفراش المبثوث. وتكون الجبال كالعهن المنفوش ٢ يوم تمور السماء مورا. وتسير الجبال سيرا ٣ ؛ وجعل الله تعالى في الجبال بركة، أو جعل في الأرض بركة، والبركة كثرة الخير، فبركة الجبال- فوق ما ذكرنا- في سامق طولها، ومختلف ألوانها وحيوانها، ومعادنها ونبتها، وشجرها وحجرها.
[ ومنها الأحجار المختلفة : بعضها للزينة، وبعضها للأبنية، فانظر إلى الحجر الذي تستخرج منه النار مع كثرته، وانظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته وندرته- وانظر إلى النفع بذلك الحقير، وقلة النفع بهذا الخطير.. ولعل ما تركنا من منافع أكثر مما عددنا ]٤.
وأودع الله-تعالى- الأرض ما به قوام من يعيشون فيها إنسا وجنا، وما يدب عليها، وما تتصدع به وتنشق عنه مما فيه قوت البشر والبهائم، والطعام والأدام، والدواء والفواكه، والكساء والزينة، والسكن والمأوى.
يقول صاحب جامع البيان- بعد أن أورد نقولا مأثورة- : إن[ الأقوات ] الأرزاق والمعايش، أو المطر، أو في كل أرض قوت لا يصلح بغيره. قال : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله تعالى أخبر أنه قدّر في الأرض أهلها وذلك ما يقوتهم من الغذاء ويصلحهم من المعاش، ولم يخصص جل ثناؤه.. قوتا دون قوت.. ومما يقوت أهلها ما لا يصلحهم غيره من الغذاء، وذلك لا يكون إلا بالمطر والتصرف في البلاد لما خص الله به بعضا دون بعض، ومما أخرج من الجبال من الجواهر، ومن البحر من المآكل والحلي.. اه.
في أربعة أيام خلق الله الأرض ثم خلق الجبال والأقوات، فخلق الجبال والأقوات وما ينبغي لها في يومين تاليين لخلق الأرض في يومين.
نقل أبو جعفر عن بعض نحويي البصرة قال : خلق الأرض في يومين ثم قال : في أربعة أيام لأنه يعني أن هذا مع الأول أربعة أيام.. اه.
وأقول : أبدع المولى وأنشأ ذلك وأتمه في زمن ليس بمتباعد، بل فيما نقدره بأربعة أيام من أيامنا، فذلك تقريب لأفهام البشر المخاطبين، وذلك أولى أن نفسر الآية على نسقه-إذ لم يكن حين خلقت السماوات والأرضون ليل ولا نهار، وإنما كانا بعد خلق السماء والأرض والشمس والقمر-
ومن سأل عن مبلغ الأجل الذي خلق الله فيه الأرض والجبال والبركة والأقوات فجوابه-كما أخبر الله-أربعة أيام ؛ نقل ذلك عن قتادة والسدّي ؛ وعن ابن زيد : قدر ذلك على قدر مسائلهم، يعلم ذلك أنه لا يكون من مسائلهم شيء إلا قد علمه قبل أن يكون-اه.
٢ سورة القارعة، الآيتان: ٤، ٥..
٣ سورة الطور. الآيتان: ١٠، ٩..
٤ مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن..
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب